رحاب الغرباوي
تتجه الجهود العلمية لحماية الغابات المتوسطية نحو اعتماد معايير جديدة في تدبير الثروة الغابوية، تقوم على دراسة التنوع الوراثي للأشجار وتحديد قدرتها على مقاومة التحولات المناخية. وفي هذا الإطار، يحتضن المنتزه الوطني لإفران ورشة إقليمية تجمع أكثر من 30 خبيرا من عشرة بلدان من جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، بهدف تطوير كفاءات متخصصة في إدماج المعطيات الوراثية ضمن عمليات الجرد الغابوي.
اقرأ أيضا:إفران تسجل نجاحاً يفوق 90% في البكالوريا وتستقبل 35 ألف تلميذ دون اكتظاظ مدرسي

وتندرج هذه المبادرة ضمن مشروع الشبكة المتوسطية للموارد الجينية الغابوية (MEDFORGEN)، الذي يسعى إلى إرساء منهجية مشتركة تساعد البلدان المشاركة على تحسين معرفة مواردها الغابوية، وتوجيه برامج التشجير وإعادة تأهيل الغابات وفق معايير علمية تأخذ بعين الاعتبار التحديات المناخية المستقبلية.
وتراهن الورشة، التي ينظمها المعهد الأوروبي للغابات بتمويل من الاتحاد الأوروبي، بشراكة مع الوكالة الوطنية للمياه والغابات والمجلس الأعلى للبحث العلمي بإسبانيا وجامعة محمد الخامس بالرباط، على تكوين خبراء قادرين على نقل المعارف والتقنيات المكتسبة إلى المؤسسات والجامعات والفاعلين المعنيين بتدبير الغابات في بلدانهم.
ويبرز اختيار المغرب لاحتضان هذه الدورة الأولى أهمية التجربة الوطنية في مجال الجرد الغابوي وصون الموارد الطبيعية، إذ يوفر المنتزه الوطني لإفران مجالا ميدانيا مناسبا لتطبيق المناهج العلمية المتعلقة بتتبع التجمعات الشجرية، خصوصا أرز الأطلس الذي يشكل أحد أبرز المكونات البيئية للمنطقة.
وتؤكد ماجدة أبو داغر خراط، منسقة مشروع الشبكة المتوسطية للموارد الجينية الغابوية ومديرة المكتب المتوسطي للمعهد الأوروبي للغابات، أن تطوير طرق الجرد يقتضي تجاوز الاكتفاء برصد المساحات والأنواع الغابوية، من خلال إدماج التنوع الوراثي الذي يحدد قدرة الأشجار على مواجهة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والآفات الجديدة.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية متزايدة في ظل التغيرات التي تعرفها المنطقة المتوسطية، حيث أصبحت الضغوط المناخية تفرض البحث عن أنواع ومجموعات نباتية أكثر قدرة على التأقلم مع الظروف البيئية المتوقعة. فاختيار الأشجار الملائمة لبرامج التشجير اليوم يرتبط بمدى قدرتها على الاستمرار ومقاومة التحولات التي قد تعرفها النظم الإيكولوجية خلال العقود المقبلة.
من جهته، شدد خالد الشرقي، ممثل الوكالة الوطنية للمياه والغابات، على دور تكوين المكونين في الرفع من كفاءة الخبراء وتبادل التجارب، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر فعالية في مجال المحافظة على الغابات وتدبيرها بصورة مستدامة.
ويشكل أرز الأطلس بإقليم إفران أحد المجالات التي يمكن من خلالها اختبار هذه المقاربة، عبر تحديد المجموعات النباتية الأكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، والاستفادة من نتائج الدراسات الوراثية في توجيه عمليات استعادة الغطاء الغابوي وإعادة التشجير.

وفي السياق نفسه، أوضح اعمر الرابحي، المسؤول عن مركز الابتكار والبحث والتكوين الغابوي التابع للوكالة الوطنية للمياه والغابات والممثل الوطني ضمن مشروع MEDFORGEN، أن الخبرة المغربية في تتبع تجمعات أرز الأطلس وصونها توفر قاعدة علمية يمكن الاستناد إليها لتطوير مقاربة إقليمية موحدة، مشيرا إلى أن المنتزه الوطني لإفران يتيح ظروفا ملائمة للجمع بين التكوين النظري والتطبيق الميداني.
ولا تتوقف أهداف البرنامج عند تأهيل الخبراء المشاركين، بل تمتد إلى ضمان استمرارية نقل المعارف وتوسيع دائرة المستفيدين منها. ولهذا الغرض، جرى توفير حقائب ميدانية تساعد على تطبيق البروتوكولات المعتمدة، وتسهيل نقلها إلى الطلبة والتقنيين الغابويين وباقي المتدخلين في القطاع.
وتحظى الجامعات بدور محوري في هذا المسار، بالنظر إلى قدرتها على إدماج تقنيات الجرد الوراثي في التكوين الأكاديمي ومواكبة عمليات الرصد على المدى الطويل. وأكدت ليلى مدراوي، الأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط وممثلة التعليم العالي ضمن المشروع، أن إشراك الطلبة في العمل الميداني بصورة منتظمة يتيح إغناء المعطيات العلمية المجمعة، ويساعد على تتبع تطور الغابات وتنوعها الوراثي عبر الزمن.
ويستند هذا التوجه إلى اعتبار التنوع الوراثي عنصرا أساسيا في الحفاظ على قدرة الغابات على التجدد والاستمرار، خصوصا مع تزايد فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة ومخاطر الحرائق. كما يتيح إدماجه في عمليات الجرد تكوين صورة أكثر دقة عن حالة التجمعات الشجرية، وتوفير معطيات علمية يمكن توظيفها في تحديد أولويات الحماية والتدبير.
وتسعى الشبكة المتوسطية، من خلال هذه الورشة، إلى وضع أسس بروتوكولات موحدة للجرد الغابوي، وتكوين شبكة من الخبراء القادرين على تطبيقها في البلدان المشاركة، بما يعزز تبادل البيانات والتجارب ويدعم التعاون العلمي بين دول المنطقة.
ويأتي التمويل الأوروبي للمشروع في سياق دعم القدرات المحلية وتطوير أدوات عملية لمواجهة التغيرات المناخية. وأبرز خوان بيدرو كاسترو، المكلف بالبرامج لدى المديرية العامة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج التابعة للاتحاد الأوروبي، أن الاستثمار في المعارف والخبرات المحلية يسهم في تقوية صمود بلدان جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وصون التنوع الوراثي الغابوي باعتباره ثروة ذات أبعاد بيئية وثقافية وتراثية واقتصادية.
وتنسجم هذه المبادرة مع استراتيجية «غابات المغرب 2020-2030»، التي تشرف عليها الوكالة الوطنية للمياه والغابات، والرامية إلى حماية التراث الغابوي الوطني وتثمينه وتعزيز قدرة النظم الإيكولوجية على مواجهة التغيرات المناخية. كما تبرز أهمية البحث العلمي وتطوير الكفاءات في تحسين أساليب التدبير، وتوجيه التدخلات الميدانية استنادا إلى معطيات دقيقة.
ومن شأن توحيد مناهج الجرد وإدماج المعطيات الوراثية في عمليات الرصد أن يوفر للبلدان المشاركة أدوات أكثر فعالية لتحديد مواطن الضعف والقوة في غاباتها، وتحسين قرارات التشجير والصون، بما يدعم الحفاظ على التنوع البيولوجي ويعزز قدرة الغابات المتوسطية على التكيف مع الظروف المناخية المقبلة.









التعليقات
0 تعليق