رحاب الغرباوي
تبحث النيابة العامة بالمغرب سبل الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في مكافحة الجريمة، مع ضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، في ظل التوسع المتسارع لاستخدام هذه التكنولوجيا في التحقيقات الجنائية ورصد الأنشطة الإجرامية وكشف عمليات الاحتيال.

اقرأ أيضا: المغرب يدخل مرحلة وزارة الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية تتصدر الأولويات
وشكل هذا الموضوع محور دورة تكوينية انطلقت، الاثنين بفاس، لفائدة المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة، تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان»، بمشاركة رئاسة النيابة العامة ومركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، بهدف تعزيز قدرات القضاة على التعامل مع التطبيقات الرقمية وفق الضوابط القانونية والمعايير الدولية ذات الصلة.
اقرأ أيضا:المغرب يدخل مرحلة وزارة الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية تتصدر الأولويات
وأكد هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، أن الاستفادة من إمكانيات الذكاء الاصطناعي تقتضي تجاوز الجانب التقني إلى فهم حدود هذه التكنولوجيا، ووضع ضوابط أخلاقية واضحة تؤطر استعمالها، بما يضمن عدم تحول أدوات التطور الرقمي إلى مصدر للمساس بالحقوق والحريات.
وأوضح بلاوي أن التحولات التكنولوجية تفرض تحديات متزايدة على العدالة الجنائية، خصوصا فيما يرتبط بضمان الحق في الدفاع، وحماية الحياة الخاصة، وصون الحق في محاكمة عادلة. ورغم ما توفره هذه التقنيات من إمكانيات لتطوير أساليب العمل القضائي، فإن توظيفها يستوجب الانتباه إلى المخاطر التي قد تنجم عنها، بالنظر إلى المسؤوليات الملقاة على عاتق النيابة العامة في حماية حقوق الإنسان.
وأشار المسؤول القضائي إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي تجاوز المجالات العلمية والتعليمية والاقتصادية، ليشمل قطاعات متعددة، من بينها العدالة، حيث يمكن الاستعانة به في رصد الأنشطة الإجرامية وتيسير التحقيقات والكشف عن الاحتيال. غير أن هذه الاستخدامات تفرض على المؤسسات القضائية الإحاطة بمختلف أبعاد التكنولوجيا الجديدة، وتقييم انعكاساتها على الضمانات القانونية التي تحكم عملها.
وتندرج هذه المبادرة ضمن برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، الذي أطلقته رئاسة النيابة العامة سنة 2020، كما تأتي تنفيذا لمخططها الاستراتيجي للفترة 2026-2028، ولاسيما توجهه الثاني المتعلق بتعزيز حماية الحقوق والحريات.
من جهته، أبرز سمير مرموري، ممثل مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، أهمية هذه الدورة في مواكبة جهود المغرب الرامية إلى تطوير الحكامة في قطاع العدالة والرفع من كفاءة القضاة. وأوضح أن تكوين مسؤولي النيابات العامة في مجال الذكاء الاصطناعي يهدف إلى تمكينهم من فهم الاستخدامات الجديدة لهذه التكنولوجيا والتعامل معها بما يتماشى مع متطلبات حماية حقوق الإنسان.
وتستند المناقشات المؤطرة لهذه الدورة إلى مجموعة من المرجعيات الدولية، من بينها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2019، إلى جانب الاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024، فضلا عن الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ويركز البرنامج التكويني على التعريف بالمفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في العدالة الجنائية، وتوضيح الأطر المعيارية الدولية المنظمة لاستخدامه، فضلا عن دراسة آثاره المحتملة على الحقوق الأساسية والضمانات الإجرائية. كما يتيح للمشاركين مناقشة مسؤولية السلطات القضائية في الإشراف على هذه الأدوات ومراقبة مدى احترامها للقواعد القانونية.
ويتوزع البرنامج على يومين، يخصص أولهما للتعريف بالمفاهيم الأساسية والأطر الدولية، مع بحث التحديات المرتبطة بحقوق الإنسان والضمانات الإجرائية، فيما يشهد اليوم الثاني تنظيم ورشات تطبيقية تناقش الإشكالات العملية التي يطرحها توظيف الذكاء الاصطناعي في مكافحة الجريمة.
وتحظى حماية البيانات الشخصية واحترام الحياة الخاصة والسلامة الجسدية للأشخاص باهتمام خاص ضمن أشغال الدورة، إلى جانب الضمانات المرتبطة بالرقابة البشرية وتحديد المسؤوليات وآليات المساءلة.
وتسعى هذه اللقاءات، التي يرتقب تنظيم حلقات أخرى منها بمختلف جهات المملكة، إلى تعزيز جاهزية قضاة النيابة العامة لمواكبة التحولات الرقمية، مع الحفاظ على التوازن بين تطوير أدوات مكافحة الجريمة وصون الحقوق والحريات، باعتباره أحد الشروط الأساسية لضمان عدالة تحترم سيادة القانون.









التعليقات
0 تعليق