كوثر بوجوال
تتصاعد المخاوف من عودة أزمة انقطاع الكهرباء في زامبيا وزيمبابوي، بعدما سجلت بحيرة كاريبا، التي تشكل أحد أهم مصادر إنتاج الطاقة الكهرومائية في البلدين، تراجعاً متواصلاً في منسوب مياهها، ما يضع استقرار الإمدادات الكهربائية أمام تحديات جديدة.
وأعلنت هيئة نهر الزامبيزي، الاثنين 12 أكتوبر 2026، أن مستوى المياه في البحيرة انخفض إلى 480,72 متراً، فيما بلغ حجم الاحتياطي المائي القابل للاستخدام في توليد الكهرباء نحو 24,11 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل 37,21 في المائة فقط من سعة التخزين القابلة للاستغلال.
ويعيد تراجع منسوب بحيرة كاريبا إلى الواجهة أزمة الطاقة التي شهدها البلدان خلال السنوات الماضية، عندما أدت محدودية الموارد المائية إلى تقليص إنتاج الكهرباء وفرض انقطاعات طويلة أثرت على الأسر والمؤسسات والأنشطة الاقتصادية.
تراجع منسوب بحيرة كاريبا يثير مخاوف نقص الكهرباء
أوضحت هيئة نهر الزامبيزي، وهي مؤسسة مشتركة بين حكومتي زامبيا وزيمبابوي، أن المؤشرات الحالية تكشف استمرار الضغط على الاحتياطيات المائية للبحيرة، رغم تحسنها مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ففي أكتوبر 2025، لم يتجاوز منسوب المياه 477,38 متراً، بينما بلغ الحجم المتاح لإنتاج الكهرباء 8,44 مليارات متر مكعب، أي ما يعادل 13,03 في المائة من سعة التخزين القابلة للاستغلال.
وتشير هذه المقارنة إلى أن الوضع المائي الحالي أفضل من مستويات السنة الماضية، غير أنه يظل بعيداً عن الظروف المسجلة خلال الفترات التي عرفت وفرة أكبر في الموارد المائية.
وفي سنة 2018، على سبيل المثال، وصل منسوب البحيرة إلى 485 متراً، وبلغت نسبة التخزين القابل للاستغلال 70,65 في المائة، ما يعكس حجم الفوارق التي يمكن أن تسجلها البحيرة تبعاً للتساقطات المطرية وتدفقات المياه.
ويعمل سد كاريبا ضمن نطاق مائي يتراوح بين 475,50 و488,50 متراً، ما يجعل مستويات المياه عاملاً أساسياً في تحديد الكميات المتاحة لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وتكمن أهمية البحيرة في كونها تدعم منشآت كهرومائية يعتمد عليها البلدان لتوفير جزء مهم من احتياجاتهما الكهربائية، الأمر الذي يجعل أي تراجع في احتياطياتها مصدر قلق بالنسبة إلى قطاع الطاقة.
انقطاعات تصل إلى 12 ساعة تضغط على الأسر والاقتصاد
شهدت زامبيا وزيمبابوي خلال العامين الماضيين فترات صعبة بسبب نقص الكهرباء، إذ اضطرت بعض الأسر إلى تحمل انقطاعات يومية بلغت 12 ساعة.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الاستهلاك المنزلي، بل امتدت إلى قطاعات حيوية، من بينها المؤسسات الصحية والمدارس والأنشطة الصناعية والتجارية التي تحتاج إلى إمدادات كهربائية منتظمة.
ويؤثر اضطراب التزويد بالكهرباء على سير الخدمات الأساسية، كما يرفع تكاليف التشغيل بالنسبة إلى المقاولات التي تضطر إلى الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة.
وتزداد حدة هذه التحديات في ظل اعتماد البلدين على الإنتاج الكهرومائي، الذي يرتبط بشكل مباشر بحجم المياه المتاحة في الخزانات والسدود.
ورغم التحسن النسبي المسجل في احتياطي بحيرة كاريبا مقارنة بسنة 2025، فإن استمرار انخفاض المنسوب يثير تساؤلات بشأن قدرة المنشآت الكهرومائية على المحافظة على إنتاج مستقر خلال المرحلة المقبلة.
زامبيا تدعو إلى تنويع مصادر الطاقة لمواجهة الجفاف
في مواجهة هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى ضرورة إعادة النظر في مزيج الطاقة المعتمد في المنطقة، وتقليص الاعتماد المفرط على الموارد المائية لإنتاج الكهرباء.
وخلال افتتاح منتدى الطاقة الإفريقي في العاصمة الزامبية لوساكا، دعت نائبة الرئيس الزامبي، موتالي نالومانغو، إلى تسريع جهود تنويع مصادر إنتاج الطاقة، بما يسمح بتعزيز قدرة البلاد على مواجهة فترات الجفاف والتقلبات المناخية.
وشددت المسؤولة الزامبية على أن التحدي الأساسي لا يتعلق بمفهوم الطاقة، وإنما بطبيعة المصادر التي يتشكل منها مزيج الإنتاج الكهربائي.
ويؤكد خبراء أن أزمة الكهرباء في البلدين لا ترتبط بندرة المياه وحدها، بل تتداخل فيها عوامل أخرى، من بينها تقادم بعض التجهيزات، وضعف الاستثمارات، ومحدودية الصيانة، وبطء تطوير مصادر بديلة.
وتبرز في هذا السياق أهمية التوسع في الطاقات الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب تحديث شبكات النقل والتوزيع وتحسين كفاءة المنشآت القائمة.
ويجمع منتدى الطاقة الإفريقي، المنظم على مدى ثلاثة أيام تحت شعار «بناء مستقبل إفريقي للطاقة بلا حدود»، مسؤولين حكوميين ومستثمرين ومؤسسات مالية وفاعلين اقتصاديين.
ويناقش المشاركون سبل تعزيز التعاون الإقليمي وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة وتقوية الربط الكهربائي بين الدول الإفريقية، بهدف الحد من هشاشة أنظمة الطاقة أمام الصدمات المناخية.
ويكشف الوضع في بحيرة كاريبا عن تحدٍّ أوسع تواجهه عدة دول إفريقية، يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين الاستفادة من الموارد المائية وتطوير منظومات كهربائية أكثر تنوعاً ومرونة.
وفي انتظار تحسن الظروف المائية، يبقى استقرار الكهرباء في زامبيا وزيمبابوي مرتبطاً بقدرة البلدين على تدبير احتياطيات البحيرة وتوسيع الاستثمارات في مصادر الطاقة البديلة، تفادياً لتكرار الانقطاعات التي أثرت على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.






