منال الهداوي
أنعشت التساقطات المطرية الرعدية التي شهدها إقليم الحسيمة خلال الأيام الأخيرة آمال تعزيز الموارد المائية بالمنطقة، بعدما ساهمت التدفقات القوية لوادي غيس في رفع منسوب المياه المتجهة نحو السد الذي يحمل اسمه، في تطور يعيد تسليط الضوء على أهمية هذه المنشأة في دعم الأمن المائي والاستجابة للحاجيات المتزايدة للسكان والأنشطة الفلاحية.
وسجلت المنطقة خلال اليومين الماضيين تدفقات مائية ملحوظة، أعقبت زخات رعدية غزيرة شملت مدينة الحسيمة وإمزورن وعددا من المناطق الجبلية المجاورة. وأسهمت هذه التساقطات في تنشيط جريان وادي غيس، الذي يصب مباشرة في حوض السد، لتتجه كميات إضافية من المياه نحو هذه المنشأة الواقعة على بعد نحو 43 كيلومترا جنوب غرب مدينة الحسيمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأمطار الأخيرة باعتبارها موردا طبيعيا يساهم في دعم المخزون المائي، خصوصا في ظل الحاجة إلى تعزيز قدرة المنشآت المائية على توفير المياه خلال الفترات التي تتراجع فيها التساقطات. كما تعكس هذه التدفقات الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحواض المائية المحلية في تحويل الأمطار إلى موارد قابلة للتخزين والاستفادة منها على المديين المتوسط والبعيد.
وتكتسي هذه الانتعاشة أهمية خاصة بالنظر إلى الإمكانات التخزينية التي يتوفر عليها سد غيس، إذ تبلغ سعته الإجمالية نحو 93 مليون متر مكعب. وتمنح هذه القدرة المنشأة موقعا مهما ضمن البنيات المائية الموجهة إلى دعم التزود بالمياه في إقليم الحسيمة والمراكز المجاورة، فضلا عن تعزيز الاستعداد لمواجهة التغيرات التي تعرفها الموارد المائية بين الفترات الممطرة والمراحل التي يقل فيها هطول الأمطار.
إقرأ أيضا : سد-خنك-كرو-يقترب-من-الاكتمال
ومن المنتظر أن يساهم السد، بعد استكمال أشغاله ودخوله مرحلة الاستغلال، في تحسين ظروف التزود بالماء الصالح للشرب لفائدة السكان، من خلال توفير بنية قادرة على تخزين الموارد المائية وتدبيرها وفق الحاجيات المسجلة. وتزداد أهمية هذا الدور مع توسع متطلبات الاستهلاك المنزلي وتزايد الحاجة إلى ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، بما يجعل الاستثمار في المنشآت المائية عنصرا محوريا في التخطيط للمستقبل.
ولا تقتصر أهداف سد غيس على توفير المياه الصالحة للشرب، بل تشمل كذلك حماية المناطق الواقعة أسفل مجرى الوادي من المخاطر المحتملة للفيضانات. فالتساقطات الرعدية القوية قد تتسبب في ارتفاع سريع لمنسوب المجاري المائية، خصوصا بالمناطق الجبلية التي تتجمع فيها مياه الأمطار قبل انتقالها نحو الأودية. ومن هنا، تبرز أهمية المنشآت المائية في المساهمة في تنظيم التدفقات والتخفيف من آثارها، مع بقاء تدبير مخاطر الفيضانات مرتبطا أيضا بالمراقبة المستمرة والإنذار المبكر واحترام تدابير السلامة.
وعلى المستوى الفلاحي، يرتقب أن يدعم المشروع إمكانات السقي في المنطقة، من خلال توفير المياه اللازمة لنحو 1320 هكتارا من الأراضي الزراعية. ويمثل هذا الجانب عاملا مهما بالنسبة إلى الفلاحين، بالنظر إلى ارتباط الإنتاج الزراعي بانتظام الموارد المائية وقدرة المستثمرين على التخطيط للمواسم الفلاحية في ظروف أكثر استقرارا.
كما يمكن أن ينعكس تحسين تدبير المياه على الأنشطة الاقتصادية المحلية، عبر تقوية فرص استمرار الإنتاج الزراعي والحد من بعض الإكراهات المرتبطة بتذبذب التساقطات. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطا بحسن تدبير الموارد المتاحة، واعتماد أساليب عقلانية في الاستهلاك، إلى جانب مواصلة الاستثمار في البنيات التي تتيح تخزين المياه وتوزيعها بصورة أكثر فعالية.
وبالتوازي مع هذه التطورات، بلغت أشغال بناء سد غيس مراحلها النهائية، بعدما تجاوزت نسبة الإنجاز 99 في المائة، وفق المعطيات المتاحة عن المشروع. كما جرى تقليص مدة إنجاز الورش بنحو تسعة أشهر، في خطوة تعكس التقدم المسجل في تنفيذ هذه المنشأة التي رصد لها غلاف مالي يقارب 1.38 مليار درهم، منذ انطلاق الأشغال في منتصف سنة 2017.
ويعزز هذا التقدم الترقب بشأن استكمال المشروع ووضعه في الخدمة، بالنظر إلى الأدوار المنتظرة منه في مجالات التزود بالماء والسقي والحماية من الفيضانات. كما يسلط الضوء على أهمية مواكبة البنيات التحتية المائية بإجراءات تضمن استدامة مواردها، سواء من خلال الصيانة الدورية أو مراقبة مستويات التخزين أو ترشيد استعمال المياه وفق الأولويات المحلية.
وتندرج هذه المنشأة ضمن الجهود الرامية إلى تقوية البنية المائية بالمملكة، في وقت أصبحت فيه مسألة تأمين الموارد المائية تحظى بأهمية متزايدة بسبب التقلبات المناخية وتفاوت التساقطات من منطقة إلى أخرى. ويأتي المشروع في سياق برنامج وطني يشمل تشييد 16 سدا كبيرا، بهدف تعزيز القدرة التخزينية وتحسين الاستعداد لتلبية الحاجيات المستقبلية من المياه.
ومع التدفقات التي عرفها وادي غيس عقب الأمطار الرعدية الأخيرة، تتجدد أهمية السد باعتباره مشروعا استراتيجيا لإقليم الحسيمة، يجمع بين تخزين المياه ودعم التزود بالماء الصالح للشرب وخدمة النشاط الفلاحي والمساهمة في الحد من آثار الفيضانات. وتظل الاستفادة المستدامة من هذه الموارد رهينة باستكمال المشروع وفق المتطلبات التقنية، وحسن تدبير المياه المخزنة، وتكامل الجهود الرامية إلى حماية هذا المورد الحيوي وضمان استمراريته لفائدة السكان والأجيال المقبلة.







