رحاب الفرباوي
تثير التطورات المسجلة في المحيط الهادئ اهتمام الأوساط العلمية، مع بروز مؤشرات على اشتداد ظاهرة «إل نينيو» خلال خريف 2026، في ظل ارتفاع درجات حرارة المياه وتغيرات في مستوى سطح البحر وتركيب البيئة البحرية. وتتابع وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» هذه التحولات عبر الأقمار الاصطناعية، بهدف تحديد مدى تطور الظاهرة وتقييم انعكاساتها المحتملة على المناخ العالمي خلال الأشهر المقبلة.
اقرأ أيضا:أبيدجان تستضيف مؤتمرا دوليا حول النقل المستدام والمناخ بمشاركة 1500 خبير

وتشير التقديرات المناخية إلى إمكانية استمرار تأثير «إل نينيو» حتى فبراير 2027، فيما حذرت توقعات أمريكية صدرت خلال أكتوبر الجاري من احتمال بلوغ الظاهرة مستوى استثنائيا، مع تقدير فرص تسجيل أقوى حدث لها منذ عام 1950 بنحو 83 في المائة، وفق المعطيات الواردة في التقارير المناخية.
وتكمن أهمية هذه التطورات في الدور الذي يؤديه المحيط الهادئ في تنظيم الأنماط الجوية على نطاق واسع، إذ يمكن للتغيرات التي تطرأ على حرارة مياهه أن تؤثر على توزيع التساقطات المطرية وشدة موجات الحر واحتمالات الجفاف والفيضانات في مناطق مختلفة من العالم.
وتنشأ «إل نينيو» نتيجة ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة المياه السطحية بالمناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، وترتبط بتغيرات في حركة الرياح وتوزيع الحرارة بين المحيط والغلاف الجوي. وتندرج ضمن دورة مناخية تعرف باسم «التذبذب الجنوبي لظاهرة إل نينيو»، التي تشمل أيضا مرحلة «لا نينيا»، المرتبطة ببرودة المياه، إلى جانب مرحلة محايدة.
وتبرز القياسات الحديثة حجم الارتفاع الحراري المسجل في المحيط الهادئ، إذ تجاوزت حرارة المياه السطحية في جزئه الشرقي المعدل طويل الأمد بنحو 1.7 درجة مئوية، وهو تطور يعزز المخاوف من اتساع التأثيرات المناخية للظاهرة، خاصة إذا استمر الاحترار خلال الفترة المقبلة.
وتزداد أهمية هذه المعطيات في سياق الاحترار العالمي، الذي يرفع متوسط درجات حرارة المحيطات والغلاف الجوي. ورغم عدم وجود أدلة حاسمة تثبت أن التغير المناخي يؤدي بالضرورة إلى زيادة تواتر «إل نينيو» أو قوتها، فإن ارتفاع الحرارة العالمية قد يزيد من حدة بعض الظواهر المرتبطة بها، من خلال تعزيز الظروف الملائمة لموجات الحر والأمطار الغزيرة.
ولا يعتمد العلماء في تقييم تطور الظاهرة على درجات الحرارة وحدها، إذ تكشف بيانات الأقمار الاصطناعية عن تغيرات أخرى تمس البيئة البحرية، من بينها التحول الملحوظ في لون مياه المحيط الهادئ الاستوائي، الذي رصدته أجهزة القمر الاصطناعي «PACE» التابع لناسا، والذي أطلق عام 2024 لدراسة المحيطات والغلاف الجوي.
ويرتبط هذا التحول بتراجع العوالق النباتية المجهرية، وهي كائنات تؤدي دورا محوريا في السلاسل الغذائية البحرية، كما تسهم في امتصاص ثاني أكسيد الكربون عبر عملية التمثيل الضوئي. وتمنح هذه الكائنات المياه أحيانا درجات لونية تميل إلى الأخضر أو البني، تبعا لكثافتها وتركيز المواد الموجودة فيها.
وتؤدي الرياح التجارية دورا أساسيا في توفير الظروف المناسبة لنمو العوالق النباتية، إذ تساعد على صعود المياه العميقة الغنية بالعناصر الغذائية إلى السطح. غير أن ضعف هذه الرياح خلال فترات «إل نينيو» يحد من عملية تجدد المغذيات، ما قد يؤدي إلى تراجع انتشار العوالق وتحول لون المياه نحو الأزرق.
ولا تقتصر أهمية هذه التغيرات على الجانب البصري، بل تمتد إلى التوازن البيئي للمحيط، إذ يمكن أن يؤدي انخفاض العوالق النباتية إلى تقليص الموارد الغذائية المتاحة للكائنات البحرية، بما يؤثر على مناطق تغذيتها وحركة بعض الأنواع، فضلا عن انعكاساته المحتملة على النظم البيئية التي تعتمد على هذه الكائنات في مختلف مستوياتها.
ولفهم هذه التحولات، تستعين ناسا ببيانات القمر الاصطناعي «سنتينل-6»، الذي يوفر قياسات دورية لارتفاع سطح المحيطات، بما يساعد على رصد التغيرات المرتبطة بتمدد مياه البحر نتيجة ارتفاع حرارتها. وتتكامل هذه المعلومات مع القياسات التي تجمعها العوامات وأجهزة الرصد التابعة للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، لتوفير صورة أشمل عن تطور الظروف المحيطية.
وتتيح هذه الوسائل العلمية تتبع التغيرات التي قد تسبق اضطرابات جوية واسعة النطاق، كما تساعد على تحسين النماذج المستخدمة في التوقعات المناخية. ومع استمرار مراقبة المحيط الهادئ، يبقى تحديد القوة النهائية لظاهرة «إل نينيو» وحجم آثارها رهينا بتطور المؤشرات خلال الفترة المقبلة، في وقت تتزايد فيه أهمية الإنذار المبكر والاستعداد للمخاطر المناخية المحتملة.









التعليقات
0 تعليق