هجر إمغري
كشف موقع أثري قرب الخميسات عن معطيات جديدة تلقي الضوء على جانب مهم من تاريخ الاستيطان البشري بالمغرب، بعدما أظهرت الحفريات الحديثة وجود منشآت وآثار تؤكد استمرار الحياة في المنطقة خلال فترات متعاقبة تمتد من العصر الحجري الحديث وصولا إلى العصر البرونزي، قبل أن تضاف إليها شواهد تعود إلى مراحل تاريخية أكثر قربا من الزمن الحالي.
وأعاد هذا الاكتشاف موقع وادي بهت إلى واجهة البحث الاثري، بعدما تمكنت أعمال التنقيب من الوصول إلى طبقات تاريخية ظلت لسنوات طويلة مدفونة تحت التراب. وتكشف هذه المعطيات عن منطقة لم تكن مجرد فضاء عابر للسكان، بل شهدت استقرارا بشريا منظما، وارتبطت بالزراعة والبناء وصناعة الادوات، وهو ما يمنح الباحثين فرصة جديدة لفهم التحولات التي عرفتها المجتمعات القديمة في شمال غرب المغرب.
وأظهرت عمليات التنقيب أن الموقع يمتد على مساحة واسعة، حيث سبق أن كشفت الابحاث عن مستوطنة فلاحية كبيرة تقدر مساحتها بما بين تسعة وعشرة هكتارات. ويرجح أن تكون هذه المستوطنة قد عرفت نشاطا بشريا مهما خلال الفترة الممتدة من منتصف الالفية الرابعة إلى بدايات الالفية الثالثة قبل الميلاد، وهي مرحلة شهدت تحولات كبيرة في أنماط العيش والاستقرار وتطور وسائل الانتاج لدى المجتمعات القديمة.
واستكملت الفرق العلمية أعمالها من خلال فتح خنادق جديدة داخل الموقع، الامر الذي سمح بتوسيع نطاق البحث والوصول إلى منشآت لم تكن معروفة من قبل. وركزت الحفريات بشكل خاص على الجزء الجنوبي، حيث ظهرت مجموعة كبيرة من البنيات الحجرية التي تشير إلى وجود نشاط معماري منظم، وتبرز قدرة السكان القدماء على استغلال الموارد المحلية وبناء منشآت ذات وظائف مختلفة.
وأثبتت المعاينات أن هذه البنيات لم تشيد في مرحلة واحدة، بل مرت بمرحلتين على الاقل. فقد اعتمد البناء الاول على التراب والصلصال، ويرجح أن يعود إلى ما بعد سنة 2000 قبل الميلاد، قبل أن تعرف المنطقة لاحقا مرحلة جديدة من البناء باستخدام الحجارة. كما ظهرت عناصر دفاعية مرتبطة بهذه المنشآت، من بينها جدار حجري وخندق وساتر ترابي، ما يفتح الباب أمام فرضيات متعددة حول طبيعة هذا التجمع وأدواره داخل المجال المحيط به.
وأكدت التحاليل العلمية التي أجريت على عينات من الموقع أهمية هذه النتائج، إذ ساعدت تقنية الكربون المشع على تحديد الفترات الزمنية التي عرف خلالها الموقع نشاطا بشريا. وأظهرت نتائج تحليل 17 عينة أن التجمع ظل مأهولا خلال بدايات الالفية الثانية قبل الميلاد وحتى منتصفها، وهو ما يقدم دليلا ماديا مهما على استمرار الاستقرار البشري في المنطقة خلال فترة انتقالية بين مراحل تاريخية بارزة.
وتزداد أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى أن الفترة نفسها ارتبطت بتحولات عميقة في شمال غرب افريقيا وحوض البحر الابيض المتوسط. ويشير وجود هذه المنشآت في وادي بهت إلى أن مجتمعات المنطقة كانت تسير في اتجاه تطور معماري واجتماعي متزامن مع تحولات عرفتها مناطق أخرى، بما فيها جنوب شبه الجزيرة الايبيرية، الامر الذي يساهم في إعادة النظر في صورة المجتمعات المغربية القديمة باعتبارها مجتمعات بسيطة أو معزولة عن محيطها.
وكشفت الحفريات، في الوقت نفسه، عن ثلاث فؤوس حجرية مصقولة عثر عليها وهي لا تزال في مواضعها الاصلية. وتكتسي هذه المعثورات أهمية خاصة بالنسبة للباحثين، خصوصا أن الموقع عرف على مدى عقود جمع آلاف الادوات الحجرية من سطح الارض، بينما يتيح العثور على قطع محفوظة في سياقها الاصلي إمكانية ربطها بشكل أدق بالطبقات الاثرية والفترات التي تنتمي إليها.
وعثرت فرق التنقيب كذلك على أوان خزفية في مناطق مجاورة، قبل أن تساعد التحاليل العلمية في تحديد الفترة التي تعود إليها. وتشير النتائج إلى أن هذه القطع ترتبط بنهاية العصر الحجري الحديث، وتحديدا بالفترة الممتدة بين حوالي 3100 و2900 قبل الميلاد. وتسمح هذه المعطيات بتتبع تطور صناعة الفخار وأنماط الاستقرار في المنطقة، فضلا عن فهم أفضل للعلاقة بين السكان والموارد الطبيعية المتوفرة حولهم.
وامتدت الابحاث أيضا إلى مناطق أخرى من الموقع بعدما توصل الباحثون إلى معلومات من سكان المنطقة بشأن العثور على عظام بشرية أثناء أشغال بناء منزل بالقرب من الحافة الشمالية. ودفع هذا المعطى إلى توسيع عمليات التنقيب، حيث ظهرت مجموعة من المدافن المرتبة في اتجاه شرق غرب، لتكشف التحاليل المخبرية لاحقا عن تاريخ مختلف تماما عن المرحلة البرونزية.
وأظهر تحليل ضرس بشري أن إحدى عمليات الدفن تعود إلى الفترة الممتدة بين عامي 1221 و1279 ميلادية، ما يعني أن المنطقة ظلت تستقطب الاستقرار البشري بعد مرور قرون طويلة على المراحل التي كشفت عنها الطبقات الاثرية الاقدم. ويمنح هذا الاكتشاف الموقع قيمة تاريخية إضافية، لانه لا يقدم صورة عن مرحلة واحدة فقط، وإنما يسمح بتتبع استمرار الحضور البشري في المجال نفسه عبر فترات زمنية متباعدة.
وأفضت عمليات المسح الميداني الحديثة كذلك إلى العثور على بقايا قرية تعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، إلى جانب مقابر وطريق مرصوف بالحجارة. وتكشف هذه العناصر عن وجود تنظيم عمراني وحركي داخل المجال، كما تشير إلى أن المنطقة كانت مرتبطة بشبكة من المسارات والمنشآت التي تخدم السكان وتيسر تنقلهم وربط التجمعات ببعضها.
وأبرزت الابحاث أهمية البيئة الطبيعية المحيطة بالموقع، بعدما جرى تحديد مصادر الطين والصخور التي كان السكان القدماء يعتمدون عليها في صناعة الفخار وإنتاج الادوات المختلفة. ويعكس ذلك قدرة المجتمعات التي عاشت في المنطقة على الاستفادة من الموارد المتاحة محليا، وتحويلها إلى أدوات ومنشآت تخدم احتياجاتها اليومية، سواء في الزراعة أو البناء أو الصناعات التقليدية القديمة.
ويفتح هذا الاكتشاف الباب أمام قراءة جديدة لتاريخ منطقة الخميسات، خصوصا أن المعطيات التي ظهرت تحت الارض تكشف عن تعاقب حضارات ومجتمعات مختلفة داخل المجال نفسه. فبينما تشير بعض الادلة إلى وجود مستوطنة فلاحية واسعة في عصور ما قبل التاريخ، تكشف منشآت أخرى عن تطور معماري خلال العصر البرونزي، في حين تقدم المدافن والقرية والطريق الحجري صورة عن استمرار الاستقرار في العصور الوسطى.
وتمنح هذه النتائج موقع وادي بهت مكانة مهمة في خريطة التراث الاثري المغربي، ليس فقط بسبب قدم المعثورات التي يحتضنها، ولكن أيضا بسبب تنوعها وقدرتها على سرد مراحل مختلفة من تاريخ الانسان في المنطقة. كما أن استمرار أعمال البحث والتنقيب قد يقود إلى اكتشافات جديدة من شأنها توضيح طبيعة الحياة اليومية للسكان، وعلاقاتهم بالبيئة، وأنماط تجارتهم وتنقلهم، فضلا عن تطور تقنيات البناء وصناعة الادوات.
ويؤكد هذا المسار أن التراث الاثري المغربي لا يزال يخفي الكثير من القصص التي تنتظر من يكشف عنها، خصوصا في المواقع التي لم تحظ بعد بما يكفي من الابحاث الميدانية. ومع كل طبقة جديدة تخرج من باطن الارض، تتسع صورة الماضي وتصبح أكثر تعقيدا، ليظهر أن مناطق مثل الخميسات كانت جزءا من مسارات طويلة للاستقرار والتطور البشري، تمتد عبر آلاف السنين وتربط بين عصور مختلفة من تاريخ المغرب.
ومن المنتظر أن تساهم مواصلة الدراسات والتحاليل المرتبطة بالموقع في تقديم صورة أكثر دقة عن طبيعة المجتمعات التي استقرت في وادي بهت، وعن التحولات التي عرفتها المنطقة منذ العصر الحجري الحديث وحتى العصر البرونزي، ثم خلال الفترات التاريخية اللاحقة. وبذلك، لا تبدو الاكتشافات الجديدة مجرد معثورات أثرية متفرقة، وإنما شواهد مترابطة تساعد على إعادة بناء قصة انسان عاش واستقر وعمل ودفن موتاه في هذا المجال قبل آلاف السنين.








التعليقات
0 تعليق