ثقافة و تراث

مهرجان جسد الدولي يعود إلى الرباط للاحتفاء بإبداع المرأة

09:21 · 12/10/2026

منال الهداوي

يستعد مهرجان جسد الدولي للمخرجات المسرحيات للعودة إلى الواجهة الثقافية بمدينة الرباط، من خلال تنظيم دورته الرابعة خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 30 أكتوبر 2026، في موعد جديد يضع الإبداع النسوي في قلب المشهد المسرحي، ويفتح المجال أمام تجارب فنية متنوعة تنطلق من قضايا المرأة وأسئلتها اليومية، لتقدمها على الخشبة بلغة تجمع بين التعبير الجمالي والنقد الاجتماعي.

وتأتي هذه الدورة في سياق مواصلة المهرجان مساره الرامي إلى تعزيز حضور المخرجات المسرحيات داخل الساحة الفنية، وإبراز الأدوار التي تضطلع بها المرأة في تطوير الخطاب المسرحي وتجديد أدواته التعبيرية. كما تشكل المناسبة فرصة للتعريف بتجارب فنية نسائية تنتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة، لكنها تلتقي عند الرغبة في جعل المسرح فضاء للحوار والتفكير وإعادة طرح القضايا التي تشغل المجتمعات المعاصرة.

ومن المرتقب أن تحتضن مجموعة من الفضاءات الفنية بالعاصمة المغربية فعاليات هذه التظاهرة، التي تسعى إلى تجاوز النظرة التقليدية إلى العرض المسرحي باعتباره مجرد وسيلة للترفيه، من خلال تقديم أعمال تستند إلى أسئلة الواقع وتفاصيل الحياة الإنسانية. ويمنح هذا التوجه للمسرح مكانة تتجاوز حدود الفرجة العابرة، ليصبح وسيلة للتعبير عن التجارب الشخصية والجماعية، وطرح قضايا الحرية والكرامة والعلاقات الاجتماعية من زوايا فنية متعددة.

وفي هذا الإطار، تواصل المخرجة المسرحية نعيمة زيطان الإشراف على هذا المشروع الثقافي، الذي يراهن على منح مساحة أكبر للتعبيرات النسائية فوق الخشبة. ويستند هذا الاختيار إلى تصور يعتبر المسرح مجالا مفتوحا لاختبار الأفكار ومناقشة المسكوت عنه، بعيدا عن القوالب الجاهزة التي قد تحصر الإبداع في حدود الحكاية التقليدية أو المعالجة السطحية للقضايا الاجتماعية.

ولا تقتصر أهمية مهرجان جسد الدولي على استضافة عروض مسرحية مختلفة، بل تمتد إلى تسليط الضوء على العلاقة بين الفن والتحولات التي يعرفها المجتمع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصورة المرأة وموقعها داخل محيطها الأسري والمهني والثقافي. فمن خلال الشخصيات والحكايات والمواقف التي تقدمها الأعمال المسرحية، يستطيع الجمهور الاقتراب من تجارب إنسانية تتداخل فيها الأحلام مع التحديات، وتتقاطع فيها الرغبة في التحرر مع القيود التي تفرضها بعض التصورات الاجتماعية السائدة.

إقرأ أيضا : مهرجان-أحواش-بورزازات-يحتفي-بالتراث-

وتعرف الدورة الرابعة مشاركة مجموعة من الأسماء المسرحية، من بينها نور إسماعيل، وإيمان جفري، ولولي بوتيلو، وناتاليا جيورجوسوبولو، إلى جانب نعيمة زيطان. ويعكس هذا الحضور تنوع التجارب التي يتطلع المهرجان إلى جمعها، بما يتيح للجمهور فرصة اكتشاف رؤى فنية مختلفة في تناول القضايا الإنسانية والاجتماعية، واستكشاف أساليب متنوعة في الكتابة والإخراج والأداء المسرحي.

ومن المنتظر أن تمنح هذه المشاركات للبرنامج الفني طابعا متعددا، بالنظر إلى اختلاف المقاربات التي يمكن أن تعتمدها كل تجربة في بناء علاقتها بالواقع. فالمسرح النسوي لا يتحرك ضمن قالب واحد، ولا يقتصر على معالجة موضوعات محددة بصورة متشابهة، بل يتسع لتجارب تتناول الجسد والهوية والحرية والعلاقات الإنسانية، وتعيد النظر في الصور النمطية التي قد تحد من حضور المرأة أو تختزل تجربتها في أدوار اجتماعية ضيقة.

وبهذا المعنى، تتحول الخشبة إلى مساحة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم أجوبة جاهزة، حيث تتيح الأعمال المسرحية للمخرجات فرصة التعبير عن رؤيتهن للعالم، واستحضار التفاصيل التي قد تغيب عن النقاش العام. كما تسمح اللغة الفنية بتقديم القضايا الاجتماعية في صورة مشاهد وشخصيات ومواقف تضع المتلقي أمام تجارب تستدعي التأمل، وتدفعه إلى إعادة التفكير في بعض الأحكام المسبقة المرتبطة بالمرأة ومكانتها داخل المجتمع.

وفي المقابل، يكتسب تنظيم هذه التظاهرة في الرباط أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به العاصمة في احتضان الأنشطة الثقافية والفنية، واستقبال مبادرات تسعى إلى توسيع دائرة النقاش حول الإبداع المعاصر. ويتيح تعدد الفضاءات الفنية المستضيفة إمكانية تقريب العروض من جمهور متنوع، كما يعزز فرص التفاعل بين الفنانات والمسرحيين والمهتمين بالشأن الثقافي، بما يساهم في تنشيط الحياة المسرحية وإغناء النقاش حول مستقبل الفن بالمغرب.

كما يطرح مهرجان جسد الدولي سؤال استمرارية المبادرات الثقافية التي تمنح الأولوية للإبداع النسوي، في وقت تظل فيه الحاجة قائمة إلى توفير فضاءات للتعريف بالتجارب الفنية المختلفة، وتشجيع الإنتاج المسرحي الذي يشتغل على قضايا المجتمع بجرأة ومسؤولية. فتنظيم التظاهرات الفنية لا يقتصر على برمجة العروض، وإنما يرتبط أيضا بقدرتها على خلق جسور التواصل بين الفنانين والجمهور، وتوفير فرص جديدة لاكتشاف الأعمال التي تقدم تصورات مغايرة للواقع.

وتبرز أهمية هذه الدورة كذلك في كونها تمنح الجمهور فرصة متابعة أعمال تنطلق من رؤى نسائية متنوعة، دون اختزال التجربة الإبداعية للمرأة في موضوع واحد أو موقف موحد. فاختلاف الخلفيات والتجارب يمنح المسرح إمكانات أوسع لتناول التحولات الاجتماعية والإنسانية، ويؤكد أن التعبير الفني النسوي قادر على تقديم أسئلة متعددة حول الفرد والمجتمع والحرية والعلاقات بين الناس.

ومع اقتراب موعد انطلاق الدورة الرابعة، يواصل مهرجان جسد الدولي ترسيخ حضوره ضمن المواعيد الثقافية التي تراهن على المسرح بوصفه فنا قادرا على مساءلة الواقع وتحريك النقاش العام. وبين 27 و30 أكتوبر 2026، ستكون الرباط على موعد مع تظاهرة تضع إبداع المرأة في الواجهة، وتمنح التجارب المسرحية النسائية مساحة للتعبير والتلاقي، في أفق تعزيز التنوع الفني وإبراز قدرة المسرح على تحويل القضايا الاجتماعية إلى تجربة جمالية وإنسانية تترك أثرها لدى الجمهور.