منال الهداوي
تستعيد العلاقات التاريخية بين المغرب والدولة العثمانية حضورها في النقاش الأكاديمي من خلال ندوة علمية تحتضنها الرباط يومي 15 و16 أكتوبر 2026، بمشاركة باحثات وباحثين متخصصين في التاريخ من المغرب وتركيا ولبنان وفرنسا وإيطاليا وألمانيا. ويسعى هذا اللقاء إلى إعادة قراءة أربعة قرون من العلاقات بين الطرفين، من خلال مقاربة تتجاوز الوقائع السياسية التقليدية لتشمل التحولات الثقافية والإنسانية التي عرفها الفضاء المتوسطي عبر مراحل تاريخية مختلفة.
ويأتي تنظيم هذه الندوة في سياق الاهتمام المتزايد بإعادة دراسة تاريخ العلاقات بين الدول والمجتمعات، بعيدا عن الاقتصار على المعاهدات والمراسلات الرسمية والصراعات المرتبطة بموازين القوى. كما يفتح الموضوع المجال أمام فهم أوسع لطبيعة التفاعلات التي جمعت المغرب بالدولة العثمانية، وكيف ساهمت التحولات الإقليمية والدولية في تشكيل مسارات التواصل والتفاوض والتبادل بين الجانبين.
وتحمل الندوة عنوان «دبلوماسية الإمبراطوريات في البحر المتوسط: أربعة قرون من العلاقات بين الدولتين المغربية والعثمانية»، وهو موضوع يتيح للباحثين استكشاف مرحلة طويلة من التاريخ المشترك، انطلاقا من القرن السادس عشر وصولا إلى بدايات القرن العشرين. وتكتسب هذه الفترة أهميتها من التحولات التي شهدتها منطقة البحر الأبيض المتوسط، سواء على مستوى النفوذ السياسي أو طرق التواصل أو طبيعة العلاقات بين القوى التي تنافست على توسيع حضورها في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يطمح اللقاء العلمي إلى تقييم ما راكمته الدراسات التاريخية السابقة بشأن العلاقات المغربية العثمانية، مع البحث عن أسئلة جديدة تسمح بتوسيع دائرة المعرفة بهذا الموضوع. ولا يقتصر الأمر على مراجعة الأحداث المعروفة، بل يشمل أيضا إعادة النظر في بعض الجوانب التي لم تحظ بالقدر الكافي من البحث، خصوصا ما يرتبط بأدوار الفاعلين غير الرسميين، ومسارات انتقال الأشخاص، وتأثير التبادل الثقافي في بناء العلاقات بين المجتمعات.
إقرأ أيضا : الثقافة-والتنمية-في-فاس-ندوة-دولية
ومن جهة أخرى، تتيح دراسة الدبلوماسية في هذا السياق فهما أكثر عمقا للوسائل التي اعتمدتها الدولتان في تدبير علاقاتهما، إذ لم تكن الاتصالات السياسية منفصلة عن الظروف الاجتماعية والثقافية التي أحاطت بها. فقد ارتبطت العلاقات بين المراكز السياسية في ضفتي المتوسط بحركة المبعوثين والمسافرين، وانتقال المعارف والأفكار، فضلا عن تأثير المتغيرات الاقتصادية والعسكرية والتقنية في طبيعة التواصل بين مختلف الأطراف.
كما يركز البرنامج العلمي على تطور العلاقات السياسية منذ بروز النفوذ العثماني في المغرب الكبير خلال القرن السادس عشر، مع تتبع التحولات التي عرفتها المنطقة خلال القرون اللاحقة، وصولا إلى المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. ويساعد هذا الامتداد الزمني على رصد كيفية تغير السياقات التي تحكمت في العلاقات بين الدول، وفهم أثر التحولات الدولية في إعادة ترتيب الأولويات السياسية والدبلوماسية.
وتتضمن محاور الندوة كذلك دراسة الشخصيات التي اضطلعت بأدوار دبلوماسية بين المغرب والدولة العثمانية، إلى جانب الأدوات والآليات التي استعملت في التواصل والتفاوض وتدبير المصالح المشتركة. ويمنح هذا المحور أهمية خاصة للأدوار التي أدتها الوساطة والاتصالات والمراسلات في تشكيل العلاقات الثنائية، مع إتاحة المجال أمام تحليل طبيعة المهام التي اضطلع بها الفاعلون الدبلوماسيون في ظروف تاريخية متباينة.
وبالموازاة مع ذلك، يولي المشاركون اهتماما لحركة الهجرة والتنقل بين غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، باعتبارها أحد المداخل الأساسية لفهم الروابط التي تجاوزت حدود السياسة الرسمية. فانتقال الأشخاص بين المجالين المغربي والعثماني أتاح فرصا لتبادل التجارب والمعارف والممارسات، كما ساهم في تكوين صلات إنسانية وثقافية تعكس درجة التفاعل بين المجتمعات التي احتضنتها هذه المنطقة.
ولا تنفصل هذه التحركات عن انتقال الأفكار والتقاليد وأساليب التنظيم والمعرفة، وهي عناصر يسعى الباحثون إلى دراستها ضمن رؤية تاريخية شاملة. فالدبلوماسية، وفق المنظور الذي تقترحه الندوة، لا تختزل في اللقاءات الرسمية أو الاتفاقات السياسية، بل تشمل أيضا أشكالا متعددة من التواصل والتأثير المتبادل، أسهمت في نقل الخبرات وتوسيع دوائر المعرفة بين ضفتي المتوسط.
ويتيح هذا التوجه إعادة التفكير في مفهوم الدبلوماسية باعتبارها ممارسة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الأبعاد الثقافية والاجتماعية، بما يساعد على تجاوز القراءات التي تحصر العلاقات الدولية في الصراعات والتحالفات وحدها. كما يسمح بإبراز أهمية العلاقات اليومية وشبكات التواصل والتنقل في تفسير كيفية تشكل الروابط التاريخية بين الدول والمجتمعات.
وفي سياق أوسع، تسعى الندوة إلى وضع العلاقات المغربية العثمانية ضمن تاريخ دبلوماسي أشمل للبلدان الإسلامية، بما يتيح المقارنة بين التجارب المختلفة واستكشاف أوجه التشابه والاختلاف في أساليب تدبير العلاقات الخارجية. ويمنح هذا المنظور الباحثين فرصة لفهم موقع المغرب ضمن شبكة العلاقات التي عرفها العالم الإسلامي، مع مراعاة خصوصية السياقات السياسية والتاريخية التي ميزت كل مرحلة.
ومن المنتظر أن تسهم مشاركة باحثين من جامعات ومؤسسات علمية تنتمي إلى بلدان متعددة في إغناء النقاش وتبادل وجهات النظر حول الموضوع. كما يوفر تنوع الخلفيات العلمية والفكرية إمكانية مقاربة الوثائق والأحداث التاريخية من زوايا مختلفة، بما يعزز فرص الوصول إلى قراءات أكثر شمولا ودقة للتفاعلات التي عرفها المجال المتوسطي.
وتبرز أهمية هذا اللقاء في سعيه إلى بناء تصور مترابط لتاريخ المغرب والدولة العثمانية، من خلال الجمع بين دراسة العلاقات السياسية وتتبع التحولات الثقافية والإنسانية التي رافقتها. كما يفتح المجال أمام تطوير أبحاث جديدة حول قضايا ما تزال تحتاج إلى مزيد من التمحيص، ويسهم في تعميق فهم الروابط التاريخية التي تشكلت عبر قرون من التواصل والتفاوض والتنقل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
وبذلك، تمثل الندوة المرتقبة بالرباط مناسبة أكاديمية لإعادة قراءة مرحلة مهمة من تاريخ العلاقات المغربية العثمانية، وتسليط الضوء على الأبعاد المتعددة للدبلوماسية في تشكيل العلاقات بين الدول. كما تعكس أهمية البحث التاريخي في تفسير التحولات التي عرفتها المنطقة، وإبراز دور التفاعل الثقافي والإنساني في صياغة تاريخ مشترك يتجاوز حدود الوقائع السياسية الرسمية.




