إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تحليل

تحولات جيوسياسية عميقة تكرس نفوذ المغرب في محيطه الإقليمي

نُشر في

ساد صمت مريب أروقة قصر المونكلوا بالعاصمة الإسبانية مدريد، بينما كانت كاميرات المراقبة توثق تدفق حشود بشرية قدرت بنحو سبعين ألف شخص نحو حدود مدينة سبتة المحتلة في عام 2026. هذا المشهد الذي كان سيستدعي في السابق استنفاراً عسكرياً إسبانياً شاملاً، قوبل هذه المرة بردود فعل دبلوماسية هادئة، حيث اكتفى المسؤولون الإسبان بالتنويه بالتعاون الأمني المغربي بدلاً من توجيه أصابع الاتهام للرباط.

تأتي هذه التطورات لتؤكد صحة التوجه الاستراتيجي الذي أعلنه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة عام 2021، حين أكد أن “المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”. هذا التصريح الذي جاء في خضم أزمة استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو بهوية مزورة، لم يكن مجرد موقف عابر، بل كان إيذاناً ببدء مرحلة جديدة تعتمد فيها الرباط على بناء قوة عسكرية ودبلوماسية وازنة.

وعلى النقيض من أزمة جزيرة ليلى عام 2002، التي شهدت تدخلاً عسكرياً إسبانياً مباشراً، يبدو أن مدريد أدركت اليوم أن موازين القوى قد تغيرت جذرياً. فقد استثمر المغرب طيلة العقدين الماضيين في تحديث ترسانته العسكرية، بدءاً من الطائرات المسيرة المتطورة وصولاً إلى أنظمة الدفاع الجوي، فضلاً عن تعزيز تحالفاته الدولية، وعلى رأسها الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

يرى مراقبون أن إسبانيا باتت تدرك أن التنسيق مع المغرب لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أمنية ملحة لحماية مصالحها الحيوية. فملفات الهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب وأمن الطاقة تجعل من الاستقرار في العلاقة مع الرباط ركيزة أساسية للأمن القومي الإسباني والأوروبي على حد سواء.

وعلى الرغم من محاولات بعض التيارات السياسية، لا سيما اليمين المتطرف في إسبانيا، استغلال التوترات الحدودية لأغراض انتخابية، إلا أن منطق الدولة يفرض واقعاً مغايراً. فالتجارب أثبتت أن المصالح الاستراتيجية العليا تتجاوز الخطابات الشعبوية، مما يجعل أي حكومة إسبانية أمام حتمية التعاون مع الجار الجنوبي القوي.

ختاماً، يبدو أن المملكة المغربية قد نجحت في طي صفحة الماضي التي اتسمت بالضغوط الاستعمارية والمعاهدات القسرية، لتنتقل إلى مرحلة فرض السيادة وصناعة القرار الإقليمي، حيث باتت الرباط لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في معادلات البحر الأبيض المتوسط.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.