إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تحليل

ما بعد 30 سبتمبر.. هل تتحول فصائل العراق إلى «ذئاب منفردة» تهدد السعودية؟

09:06 · 17/09/2026

فتيحة شاطر

لا يمثل الثلاثون من سبتمبر مجرد موعد لاستكمال انسحاب القوات الأميركية من العراق، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر تعقيدًا في صراع بغداد مع السلاح الخارج عن سلطة الدولة. فخروج القوات الأميركية يسحب من الفصائل المسلحة إحدى أبرز الذرائع التي استخدمتها للاحتفاظ بترسانتها، لكنه لا يقدم جوابًا واضحًا عن مصير تلك الترسانة ولا عن القوى التي سترفض تسليمها.

الحكومة العراقية ستجد نفسها، في اليوم التالي للانسحاب، أمام سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: إذا انتهى الوجود العسكري الأجنبي الذي بررت به بعض الفصائل استمرار سلاحها، فما المبرر لبقاء قوة عسكرية موازية للجيش والشرطة؟

لكن خطورة المرحلة المقبلة لا تكمن فقط في احتمال رفض الفصائل تسليم أسلحتها. الأخطر هو أن تعيد بعض الجماعات تشكيل وجودها بطريقة أكثر غموضًا، فتنتقل من العمل ضمن تنظيمات معروفة ومقار معلنة وقيادات يمكن تحديدها، إلى خلايا صغيرة أو أفراد ينفذون عمليات محدودة من دون إعلان المسؤولية عنها.

هنا يظهر سيناريو «الذئاب المنفردة»، ليس بوصفه حقيقة مؤكدة، وإنما باعتباره إحدى الأدوات التي قد تلجأ إليها القوى الرافضة لنزع سلاحها. فالفصيل الذي يصبح وجوده العسكري العلني عبئًا سياسيًا يمكنه تفكيك هيكله الظاهر، مع الاحتفاظ بالشبكات والخبرات والقدرة على تنفيذ العمليات عند الحاجة.

بهذه الطريقة، قد يختفي اسم الجماعة من بيانات تبني الهجمات، بينما تبقى أدواتها فاعلة على الأرض.

انسحاب أميركي لا يعني اختفاء السلاح

ربطت فصائل عراقية عديدة احتفاظها بالسلاح بوجود القوات الأميركية، وقدمت نفسها باعتبارها جزءًا من «مقاومة الاحتلال». لكن استعداد واشنطن لإنهاء وجودها العسكري بحلول 30 سبتمبر يضع هذه الفصائل أمام تناقض سياسي واضح.

فإما أن تقبل بانتفاء السبب الذي استندت إليه للاحتفاظ بالسلاح، وتندمج بصورة كاملة داخل المؤسسات الأمنية العراقية، وإما أن تبحث عن ذرائع جديدة تحول دون تفكيك قوتها العسكرية.

بعض الفصائل بدأت بالفعل في طرح شروط لا ترتبط مباشرة بالوجود الأميركي، من بينها ملفات الأكراد الإيرانيين وقوات البيشمركة وترتيبات الأمن الداخلي. وهذا التوسع في قائمة الشروط يوحي بأن الخلاف لا يتعلق فقط ببقاء القوات الأميركية، وإنما بمستقبل القوة السياسية والعسكرية التي راكمتها الفصائل خلال السنوات الماضية.

فالسلاح بالنسبة إلى هذه الجماعات ليس مجرد وسيلة لمواجهة خصم خارجي، بل مصدر نفوذ داخل العراق، وأداة للتأثير في القرار السياسي، وضمانة لحماية المصالح الاقتصادية والتنظيمية. ولذلك فإن تسليمه يعني خسارة جزء كبير من القوة التي تسمح للفصائل بالتحرك خارج قواعد الدولة.

الهجوم على السعودية كشف حجم المشكلة

ازدادت حساسية ملف السلاح بعد الهجوم بالطائرات المسيّرة على خط النفط السعودي «شرق–غرب»، والذي رجحت تقارير أن يكون قد انطلق من الأراضي العراقية، من دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه.

الهجوم وضع بغداد في موقف شديد الصعوبة. فالسعودية لم تكن بحاجة فقط إلى معرفة اسم الجماعة التي نفذت العملية، بل احتاجت إلى جواب عراقي رسمي عن كيفية انطلاق مسيّرات هجومية من داخل العراق وقطعها مسافة طويلة قبل استهداف واحدة من أهم منشآت الطاقة السعودية.

وأعلنت الحكومة العراقية فتح تحقيق واتخاذ إجراءات بحق مسؤول أمني بعد تتبع مسار الطائرات إلى داخل الأراضي العراقية. لكن التحقيق وحده لا يحل أصل المشكلة؛ لأن القضية لا تتعلق بخطأ أمني محدود، وإنما بوجود جهات تمتلك القدرة على إطلاق أسلحة عابرة للحدود من دون الحصول على قرار من القيادة العراقية.

وعدم تبني أي جماعة للهجوم ليس تفصيلًا هامشيًا. فالغموض قد يكون جزءًا من طبيعة العمليات الجديدة التي تسمح للجهة المنفذة بتحقيق هدفها العسكري، ثم ترك الدولة العراقية في مواجهة التداعيات السياسية.

وفي هذا النوع من الهجمات، تصبح الجغرافيا هي المتهم الأول. فإذا انطلقت المسيّرات من العراق، فإن بغداد تتحمل أمام الدول المستهدفة مسؤولية منع استخدام أراضيها، حتى إذا لم تتمكن من تحديد اسم الفصيل الذي أصدر الأمر.

تقارير الهجوم على خط النفط السعودي والتحقيق العراقي⁠

من التنظيمات المعلنة إلى الخلايا الغامضة

إذا تعرضت الفصائل لضغط حقيقي بعد الانسحاب الأميركي، فقد لا تختار المواجهة المفتوحة مع الحكومة. فهذا الخيار يهدد نفوذها السياسي ويضعها أمام الرأي العام العراقي بوصفها قوة تقاتل الدولة بعد انتهاء الذريعة الأجنبية.

البديل الأقل كلفة قد يكون الاحتفاظ بجزء من القدرات العسكرية داخل شبكات صغيرة لا تحمل اسم الفصائل المعروفة، ولا تمتلك مقار رسمية أو متحدثين معلنين. ويمكن لهذه الشبكات أن تظهر بأسماء جديدة، أو تنفذ عمليات لا تتبناها أي جهة، أو تقدم المنفذين باعتبارهم أفرادًا تصرفوا بصورة مستقلة.

لكن وصف هؤلاء بـ«الذئاب المنفردة» قد يكون مضللًا إذا كانوا يتحركون اعتمادًا على أسلحة وخبرات وتمويل وفرته تنظيمات قائمة. فالفرد الذي يطلق طائرة مسيّرة قد يبدو منفردًا في لحظة التنفيذ، لكنه لا يستطيع بالضرورة الحصول على السلاح وتحديد الهدف وتأمين مسار العملية من دون شبكة أوسع تقف خلفه.

ومن هنا يصبح الخطر الحقيقي هو تحول الفصائل من أجسام عسكرية يمكن رؤيتها ومراقبتها إلى شبكات مرنة يصعب إثبات مسؤوليتها. عندها يمكن للجماعة أن تنفي علاقتها بالهجوم، ويمكن لحلفائها السياسيين الدفاع عنها بحجة غياب الأدلة، بينما تبقى الحكومة عاجزة عن تقديم تفسير مقنع للدولة المستهدفة.

السعودية أمام تهديد يصعب احتواؤه

تمثل السعودية هدفًا حساسًا لهذا النوع من العمليات بسبب ثقلها السياسي ومكانتها في أسواق الطاقة، فضلًا عن موقعها داخل الصراع الإقليمي مع الجماعات المرتبطة بإيران.

كما أن استهداف خط النفط «شرق–غرب» لا يهدد منشأة سعودية فقط، بل يضرب مسارًا استراتيجيًا يسمح بنقل النفط نحو البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز. ولذلك يمكن لأي هجوم عليه أن يؤثر في حركة الإمدادات وأسعار الطاقة والحسابات الدولية، حتى إذا كان الضرر الميداني محدودًا.

بالنسبة إلى الرياض، لن يكون مقبولًا استمرار صدور بيانات إدانة عراقية بعد كل هجوم من دون إجراءات تمنع تكراره. وإذا عجزت بغداد عن ضبط الجماعات التي تستخدم أراضيها، فقد تتجه السعودية إلى بناء خيارات أمنية وسياسية خاصة بها، وقد تعتبر مواقع إطلاق المسيّرات أهدافًا مشروعة للدفاع عن أمنها.

هذا الاحتمال يضع العراق أمام خطر التحول إلى ساحة ردود متبادلة. فعملية تنفذها خلية مجهولة ضد السعودية قد تستدعي ردًا على الأراضي العراقية، بينما تنفي الحكومة علمها بالعملية الأولى وتعجز عن منع الرد عليها.

إيران ومعركة النفوذ من خلف الستار

يصعب فصل مستقبل الفصائل المسلحة عن النفوذ الإيراني في العراق. فجزء من هذه الجماعات لا ينظر إلى نفسه باعتباره قوة عراقية محلية فقط، بل حلقة داخل محور إقليمي يمتد إلى سوريا ولبنان واليمن.

ضمن هذه الرؤية، لا يُستخدم السلاح للدفاع عن العراق وحده، وإنما للضغط على خصوم إيران وتهديد مصالحهم وتوسيع مساحة الردع الإقليمي. وهنا تصطدم أولويات الدولة العراقية بحسابات الفصائل؛ فبغداد تريد علاقات متوازنة مع السعودية ودول الخليج، بينما قد ترى بعض الجماعات أن استهداف هذه الدول يخدم معركة أوسع لا تخضع لمصالح العراق المباشرة.

لذلك فإن حصر السلاح لا يعني جمع الصواريخ والمسيّرات فحسب، بل يعني أيضًا استعادة بغداد لقرار الحرب والسلم ومنع أي طرف خارجي من استخدام الأراضي العراقية لتصفية حساباته.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الموعد

لن يكون نجاح الحكومة العراقية في مرحلة ما بعد 30 سبتمبر مرتبطًا بعدد الأسلحة التي تتسلمها أو بعدد المقاتلين الذين تدمجهم في المؤسسات الرسمية. المعيار الحقيقي هو قدرتها على منع إعادة إنتاج الفصائل تحت أسماء وواجهات جديدة.

يمكن حل تنظيم عسكري على الورق، لكن عناصره قد ينتقلون إلى تشكيل آخر. ويمكن إغلاق مقر معلن، بينما تستمر غرف العمليات في مواقع سرية. كما يمكن تسليم جزء من الأسلحة الثقيلة، مع الاحتفاظ بالطائرات المسيّرة والصواريخ القصيرة المدى داخل مخازن لا تخضع للرقابة الرسمية.

لهذا تحتاج بغداد إلى أكثر من اتفاق سياسي مع قادة الفصائل. إنها تحتاج إلى سيطرة حقيقية على الحدود والمجال الجوي ومخازن السلاح ومناطق إطلاق المسيّرات، وإلى أجهزة استخبارات قادرة على كشف الخلايا قبل تنفيذ عملياتها.

كما تحتاج إلى قرار سياسي يسمح بمحاسبة أي جهة تستخدم الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، مهما كانت علاقاتها ونفوذها وامتداداتها داخل مؤسسات الدولة.

وبهذا المعنى، قد يكون 30 سبتمبر بداية المشكلة لا نهايتها. فبانسحاب القوات الأميركية تسقط الحجة المعلنة لبقاء السلاح، لكن تبدأ المواجهة مع الأسباب الحقيقية التي جعلته يتحول إلى مصدر للنفوذ والسلطة.

أما السيناريو الأخطر، فهو أن تعلن الفصائل التزامها بقرارات الدولة، ثم تحتفظ بأدواتها داخل خلايا لا تحمل أسماءها ولا تعلن ارتباطها بها. عندها لن يكون العراق قد انتقل من تعدد السلاح إلى احتكاره، بل من الفصائل المعروفة إلى «ذئاب منفردة» أكثر غموضًا وأشد خطورة.

والاختبار الذي ينتظر بغداد لن يكون فقط إثبات قدرتها على نزع السلاح، وإنما إثبات أنها تعرف من يطلق النار من أراضيها، ومن يصدر القرار، ومن يتحمل المسؤولية عندما تعبر المسيّرات الحدود باتجاه السعودية.