يُثير استمرار الهجمات الحوثية بالطائرات المسيرة والصواريخ تجاه الأراضي السعودية، بالتزامن مع تحركات الجماعة على الساحل الغربي لليمن، تساؤلات جوهرية حول محدودية الأثر العسكري للترسانة المتطورة التي تمتلكها المملكة، رغم حجم الإنفاق الضخم الذي رافق سنوات الحرب الممتدة لأكثر من عقد.
تشير تحليلات وتقارير دولية، منها ما أوردته وكالة فرانس برس، إلى أن المعضلة لا تتلخص في الميزانيات العسكرية، بل في طبيعة التضاريس اليمنية المعقدة وتشتت القوى الحليفة للرياض على الأرض. فبينما يمنح التفوق الجوي للتحالف قدرة على الاستهداف، يظل الحسم الميداني رهيناً بوجود قوات برية متماسكة، وهو ما تعاني منه الجبهات المناهضة للحوثيين التي تفتقر للتنسيق وتتجاذبها ولاءات متناقضة.
تعتمد استراتيجية الحوثيين على المرونة العالية في نقل المعدات وإخفاء منصات الإطلاق، مما يجعل الدفاع عن المنشآت الحيوية السعودية مهمة بالغة الصعوبة، إذ يكفي المهاجم ثغرة واحدة لإحداث اختراق أمني، بينما يقع على عاتق الدفاع مسؤولية اليقظة المستمرة والاعتراض الدائم، وهو ما يفسر استمرار التهديد رغم الضربات الجوية والعمليات العسكرية التي شنتها أطراف دولية وإقليمية.
تتجلى أزمة التنسيق في الجبهات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً، حيث أفادت مصادر لرويترز بأن الانقسامات الداخلية وضعف الإمداد اللوجستي أديا إلى انهيارات سريعة في بعض المواقع الحساسة قرب باب المندب. وقد تسببت هذه الفجوات في ترك أسلحة متطورة بيد الحوثيين، فضلاً عن تراجع الروح القتالية لدى المقاتلين الذين يشكون من تأخر الرواتب ونقص الذخيرة.
يُعزى صمود الجماعة أيضاً إلى هيكلية قيادية مركزية تمنحها أفضلية في اتخاذ القرار الميداني، مقارنة بخصومها الذين يعانون من تضارب التوجهات. وعلى الرغم من التقارير التي تشير إلى دعم إيراني تقني للحوثيين، يرى مراقبون أن طول أمد النزاع وفشل محاولات الحسم العسكري كانا العاملين الأبرز في تعزيز نفوذ الجماعة وتطور قدراتها القتالية.
يأخذ الصراع منحى أكثر خطورة مع اقتراب الحوثيين من مضيق باب المندب، الذي يعد شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية. وتجد الرياض نفسها أمام تحدٍ جيوسياسي يتجاوز حدودها، حيث أصبحت حماية الملاحة البحرية جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي واقتصادها، خاصة في ظل تأثر حركة الشحن الدولية بهذا التصعيد.
تظل الخيارات السعودية مقيدة بمعادلة معقدة، فاستمرار القصف الجوي أثبت محدودية قدرته على شل حركة الجماعة بشكل نهائي، في حين أن توسيع العمليات البرية ينطوي على مخاطر سياسية وبشرية كبيرة. وبحسب المعطيات الراهنة، يبدو أن إنهاء هذا التهديد لا يمر عبر البوابة العسكرية فحسب، بل يتطلب مساراً سياسياً يعالج جذور الانقسام اليمني، لضمان عدم بقاء الجبهات مفتوحة أمام المزيد من النزاعات.








التعليقات
0 تعليق