منال الهداوي
يعكس اختيار ماديحة خيير لرئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب تحولا في تركيبة القيادة البرلمانية لحزب الاستقلال، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب يوم 23 شتنبر 2026. ويأتي هذا القرار في سياق سياسي تتداخل فيه رهانات تجديد المسؤوليات الحزبية مع تحديات المرحلة التشريعية المقبلة، التي تفرض على الفرق البرلمانية الاستعداد لمناقشة الملفات الاجتماعية والاقتصادية ومواكبة العمل الحكومي والاضطلاع بمهام الرقابة والتشريع.
ويضع هذا الاختيار البرلمانية ماديحة خيير أمام مسؤولية تنظيم عمل الفريق الاستقلالي وتنسيق مواقفه داخل المؤسسة التشريعية، في وقت يواصل فيه الحزب ترتيب أوضاعه الداخلية بعد الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة. كما يثير القرار تساؤلات حول طبيعة الأولويات التي ستوجه أداء الفريق خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرته على التوفيق بين الدفاع عن توجهات الحزب والمساهمة في النقاشات المرتبطة بالقضايا التي تهم المواطنين.
وفي هذا الإطار، تخلف خيير علال العمراوي، الذي لم يتمكن من الفوز بمقعد برلماني خلال انتخابات شتنبر الماضي، وهو ما أفضى إلى تغيير على رأس الفريق النيابي للحزب. ولا يقتصر هذا التغيير على استبدال مسؤول بآخر، بل يرتبط أيضا بضرورة تكييف أساليب العمل البرلماني مع النتائج الجديدة التي أفرزها الاقتراع، ومع التوازنات التي ستحدد طبيعة العلاقات بين مختلف الفرق داخل مجلس النواب.
ومن جهة أخرى، تكتسب تجربة ماديحة خيير البرلمانية أهمية في فهم موقعها داخل هذا المسار، إذ سبق لها أن شغلت عضوية مجلس النواب خلال الولاية التشريعية الممتدة من 2021 إلى 2026، بعد انتخابها ضمن اللائحة الجهوية. وخلال الانتخابات الأخيرة، انتقلت إلى خوض المنافسة على مستوى الدائرة المحلية لبني ملال، حيث حصلت على 21 ألفا و384 صوتا، وهو ما مكنها من الظفر بمقعد برلماني.
إقرأ أيضا : صادق-مجلس-النواب،-قبل-قليل،-بالأغلبية
وتبرز هذه المعطيات انتقال خيير من التمثيل عبر اللائحة الجهوية إلى المنافسة المباشرة داخل دائرة انتخابية محلية، بما يحمله ذلك من مسؤوليات إضافية مرتبطة بانتظارات الناخبين والتواصل مع القضايا المطروحة على المستوى الترابي. غير أن تولي رئاسة الفريق النيابي يتطلب، إلى جانب الحضور الانتخابي والتجربة السابقة، امتلاك القدرة على تدبير الاختلاف داخل الفريق، وتنسيق المبادرات التشريعية، وبناء مواقف مشتركة بشأن القضايا المطروحة في المؤسسة التشريعية.
وفي السياق نفسه، يحتل حزب الاستقلال موقعا مهما ضمن الخريطة البرلمانية الجديدة، بعدما حصل على 65 مقعدا في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ليأتي في المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد، خلف حزب الأصالة والمعاصرة الذي نال 97 مقعدا، والتجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعدا. وتمنح هذه النتائج الفريق الاستقلالي وزنا برلمانيا يتيح له المشاركة في النقاشات السياسية والتشريعية، غير أن حجم تأثيره سيظل مرتبطا بقدرته على بلورة مواقف واضحة وتقديم مبادرات تستجيب للقضايا ذات الأولوية.
وبناء على ذلك، سيكون أداء الفريق الاستقلالي خلال المرحلة المقبلة محكوما بعدد من الاعتبارات، في مقدمتها طبيعة موقع الحزب داخل الأغلبية أو المعارضة، وآليات التنسيق مع باقي الفرق البرلمانية، ومدى انسجام المواقف المعلنة مع المبادرات التي ستطرح داخل المجلس. كما ستشكل قضايا القدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة والتنمية المجالية مجالات أساسية لاختبار فعالية العمل البرلماني، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالانتظارات اليومية للمواطنين.
وفي المقابل، يفتح وصول امرأة إلى رئاسة الفريق الاستقلالي المجال أمام نقاش أوسع بشأن تمثيلية النساء في مواقع المسؤولية السياسية والحزبية. ويأتي ذلك بالتزامن مع تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، بما يعيد حضور المرأة في مراكز القرار إلى واجهة النقاش العام. ومع ذلك، فإن تقييم هذه التطورات يقتضي التمييز بين الرمزية المرتبطة بالتعيينات والاختيارات السياسية، وبين النتائج العملية التي يمكن أن تترتب عنها على مستوى التدبير وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار تولي ماديحة خيير رئاسة الفريق النيابي دليلا كافيا، في حد ذاته، على حدوث تحول شامل في موقع النساء داخل المؤسسات السياسية، كما لا يمكن التقليل من أهمية فتح المجال أمامهن لتولي مسؤوليات قيادية. فالأثر الفعلي لمثل هذه الخطوات يتوقف على مدى اتساع فرص المشاركة، واستمرارية الحضور النسائي في مراكز القرار، وتوافر الظروف التي تسمح بتحويل التمثيلية إلى مساهمة مؤثرة في التشريع والرقابة وتدبير الشأن العام.
وعلاوة على ذلك، ستواجه القيادة الجديدة للفريق الاستقلالي اختبارا يتعلق بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الالتزامات الحزبية والمطالب التي يعبر عنها المواطنون في الدوائر الانتخابية. فالمسؤولية البرلمانية لا تقتصر على الدفاع عن المواقف السياسية للحزب، بل تشمل أيضا تتبع السياسات العمومية، ومساءلة المسؤولين الحكوميين، والمشاركة في مناقشة القوانين، والعمل على تقديم مقترحات قابلة للتطبيق ضمن الإطار الدستوري والمؤسساتي.
كما أن نجاح القيادة الجديدة لن يقاس فقط بقدرتها على تدبير الاجتماعات الداخلية أو توحيد المواقف، وإنما بمدى انعكاس عمل الفريق على جودة النقاش البرلماني وفعالية المبادرات التشريعية. وسيكون من المهم، في هذا الصدد، رصد طبيعة الملفات التي سيمنحها الفريق الأولوية، وكيفية تفاعله مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ومدى انفتاحه على التنسيق مع باقي الفرق بشأن المقترحات التي تخدم المصلحة العامة.
وفي المحصلة، يشكل اختيار ماديحة خيير لرئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب محطة جديدة في مسار الحزب بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، كما يضعها أمام مسؤولية سياسية وتنظيمية تتجاوز مجرد شغل منصب قيادي. وبين دلالات الحضور النسائي ومتطلبات العمل التشريعي والرقابي، ستظل حصيلة هذه التجربة مرتبطة بما ستقدمه القيادة الجديدة من أداء ملموس، وبقدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين والمساهمة في تطوير الممارسة البرلمانية، بعيدا عن الاكتفاء بالرمزية المرتبطة بتولي المنصب.







