مقالات رأي

الادخار في المغرب.. لماذا تعجز الأسر عن توفير المال؟

10:38 · 15/10/2026

منال الهداوي

تضع معطيات الظرفية الاقتصادية في المغرب مسألة الادخار أمام تساؤلات متجددة بشأن قدرة الأسر على تحقيق التوازن بين الدخل والمصاريف، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة وأسعار المواد الغذائية والتوقعات المتعلقة بسوق الشغل. وتعكس الأرقام المسجلة خلال الفصل الثالث من سنة 2026 صورة عن وضع مالي لا يزال يثير القلق لدى شريحة واسعة من المواطنين، خصوصا مع تراجع نسبة الأسر القادرة على تخصيص جزء من مداخيلها للمستقبل.

وتكشف هذه المؤشرات أن الادخار لم يعد مجرد اختيار مالي مرتبط بحسن تدبير النفقات، بل أصبح بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر تحديا يرتبط أساسا بحجم الدخل ومدى قدرته على تغطية الاحتياجات اليومية. فحين تستحوذ تكاليف السكن والغذاء والنقل والتعليم والعلاج على الجزء الأكبر من الميزانية الشهرية، تتقلص المساحة المتاحة لتكوين احتياطي مالي يمكن الاعتماد عليه عند مواجهة المصاريف غير المتوقعة.

وفي هذا السياق، سجل مؤشر ثقة الأسر المغربية 59,2 نقطة خلال الفصل الثالث من السنة الجارية، مقابل 60,1 نقطة في الفصل السابق، مع بقائه أعلى من المستوى المسجل خلال الفترة نفسها من سنة 2025، عندما بلغ 53,6 نقطة. ويشير هذا التطور إلى تحسن نسبي على أساس سنوي، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الأوضاع المعيشية أصبحت أفضل، لأن تقييم الأسر لوضعها المالي يرتبط كذلك بتجربتها اليومية مع الأسعار والدخل وفرص العمل.

وتزداد دلالة هذه المؤشرات عند الوقوف على تصورات الأسر بشأن مستوى المعيشة، إذ أفادت 76,3 في المائة منها بأن وضعها المعيشي تراجع خلال الاثني عشر شهرا الماضية، بينما اعتبرت 18,5 في المائة أن وضعها ظل مستقرا، ولم تتجاوز نسبة الأسر التي سجلت تحسنا 5,2 في المائة. وتعكس هذه النتائج اتساع الشعور بالضغط المالي، من دون أن تعني بالضرورة أن جميع الأسر تعيش الظروف نفسها أو تواجه الصعوبات ذاتها.

ومن جهة أخرى، لا تبدو التوقعات المستقبلية أكثر تفاؤلا، إذ ترجح 51,7 في المائة من الأسر تدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مقابل 39,6 في المائة تتوقع استقراره، فيما لا تتجاوز نسبة المنتظرين تحسنه 8,7 في المائة. ويعبر هذا التفاوت عن حذر واضح تجاه المستقبل، خصوصا عندما تقترن المخاوف بشأن المعيشة بعدم اليقين حول تطور الأسعار والدخل وفرص الشغل.

إقرأ أيضا :المندوبية-السامية-للتخطيط-تشاؤم-أسري

وتبرز الصعوبات بصورة أوضح عند النظر إلى الوضعية المالية الحالية للأسر، حيث تشير المعطيات إلى أن 39 في المائة منها تلجأ إلى المدخرات أو الاقتراض لتغطية النفقات، في حين تؤكد 58,2 في المائة أن مداخيلها تكفي لتغطية مصاريفها. أما الأسر التي تتمكن من ادخار جزء من دخلها فلا تتجاوز نسبتها 2,8 في المائة. وتوضح هذه الأرقام أن التوازن المالي يختلف بين الأسر، وأن القدرة على توفير المال تظل محدودة عندما لا يترك الدخل هامشا كافيا بعد أداء الالتزامات الأساسية.

وفي المقابل، تثير التوقعات المتعلقة بالادخار خلال السنة المقبلة اهتماما خاصا، بعدما صرحت 92,5 في المائة من الأسر بأنها لا تتوقع القدرة على توفير المال، مقابل 7,5 في المائة فقط ترى أن بإمكانها الادخار. ولا تعني هذه النسبة أن جميع الأسر ستواجه النتيجة نفسها بصورة حتمية، لكنها تعكس اتساع المخاوف من استمرار الظروف التي تجعل تكوين احتياطي مالي أمرا صعبا.

ويظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية أحد العوامل التي تساعد على تفسير هذه المخاوف، فقد اعتبرت 95,9 في المائة من الأسر أن أسعار الغذاء ارتفعت خلال الاثني عشر شهرا الماضية، بينما لم تتجاوز نسبة من لاحظت انخفاضها 0,4 في المائة. كما تتوقع 77,9 في المائة من الأسر استمرار ارتفاع الأسعار خلال السنة المقبلة، في حين ترجح 21,1 في المائة استقرارها، ولا تتجاوز نسبة المنتظرين تراجعها 1 في المائة.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من ارتباط الغذاء بالنفقات الضرورية التي يصعب الاستغناء عنها أو تقليصها بصورة كبيرة. فارتفاع أسعار المواد الأساسية قد يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتأجيل بعض المشتريات، وتقليص الإنفاق على أنشطة أخرى، وهو ما يجعل أثر الغلاء يتجاوز فاتورة التسوق ليصل إلى نمط الاستهلاك وجودة الحياة والقدرة على التخطيط للمستقبل.

وبالتوازي مع ذلك، تلقي التوقعات المتعلقة بالبطالة بظلالها على ثقة الأسر، إذ تتوقع 61,3 في المائة منها ارتفاع عدد العاطلين خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مقابل 17,3 في المائة ترجح انخفاضه. وتؤثر هذه المخاوف في القرارات المالية للأسر، لأن الاستقرار المهني يشكل عاملا أساسيا في تحديد القدرة على الادخار والإنفاق والاستثمار في الاحتياجات طويلة الأمد. كما أن عدم وضوح الآفاق المهنية قد يدفع بعض الأسر إلى الاحتفاظ بسيولة إضافية إن كانت متاحة، أو إلى تأجيل قرارات مالية مهمة.

وتنعكس هذه الأجواء كذلك على الرغبة في اقتناء السلع المستديمة، مثل الأجهزة المنزلية وغيرها من المشتريات التي يمكن تأجيلها. فقد اعتبرت 63,8 في المائة من الأسر أن الظروف الاقتصادية الحالية غير مناسبة لهذه المشتريات، مقابل 14,5 في المائة رأت أنها مناسبة. ويعكس هذا التوجه حذرا في الاستهلاك، لكنه قد يؤثر أيضا في حركة الطلب داخل السوق، خاصة عندما تختار الأسر إعطاء الأولوية للاحتياجات الأساسية على حساب المشتريات المؤجلة.

ومع ذلك، فإن قراءة هذه المعطيات تقتضي التمييز بين التصورات التي تعبر عنها الأسر وبين القياسات الشاملة للأداء الاقتصادي. فمؤشر الثقة يرصد تقييم المواطنين لوضعهم وتوقعاتهم، ولا يقدم بمفرده صورة كاملة عن جميع التحولات الاقتصادية. غير أن أهميته تكمن في إظهار الطريقة التي تنظر بها الأسر إلى ظروفها، وهي زاوية ضرورية لفهم سلوك الاستهلاك والادخار ومدى الاستعداد لمواجهة النفقات المستقبلية.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال ضعف الادخار في سلوك الأفراد أو في طريقة تدبيرهم للميزانية، لأن القدرة على توفير المال تتأثر بمجموعة من العوامل، من بينها مستوى الدخل، واستقرار العمل، وتكاليف السكن، وأسعار المواد الأساسية، والالتزامات الأسرية. وقد تساعد الممارسات المالية الجيدة على تنظيم المصاريف، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة العجز عندما تكون النفقات الضرورية أكبر من الموارد المتاحة أو قريبة من مستواها.

وفي المحصلة، تبرز معطيات الفصل الثالث من سنة 2026 الحاجة إلى متابعة تطور القدرة الشرائية وثقة الأسر وتكاليف المعيشة، مع الاهتمام بالعوامل التي تسمح للأسر بتحسين توازنها المالي. فتعزيز فرص العمل المستقر، وتحسين الدخل، والحد من الضغوط التي تثقل النفقات الأساسية، كلها عناصر يمكن أن تساعد على توسيع هامش الادخار تدريجيا. وبينما لا تزال التوقعات حذرة، سيظل التحدي الأساسي هو تمكين الأسر من تغطية احتياجاتها الحالية من دون التضحية بقدرتها على الاستعداد للمستقبل، لأن الادخار لا يرتبط فقط بالرغبة في توفير المال، بل أيضا بوجود موارد كافية تسمح بذلك.