ياسمين اشريف
تضع الأرقام الاقتصادية المتصاعدة حدا للسجالات السياسية بين مدريد والرباط، محددة عمق العلاقة بين الطرفين على نحو أعمق مما تعكسه الخلافات العابرة، إذ أعلن النائب الأول لرئيس الحكومة الإسبانية ووزير الاقتصاد، كارلوس كويربو، أن مبيعات الشركات الإسبانية إلى المملكة المغربية تتجاوز 12 مليار يورو سنويا، وهو رقم يتقارب مع حجم الصادرات الإسبانية نحو عملاق اقتصادي كالمملكة المتحدة أو الولايات المتحدة التي تستقبل 16 مليار يورو.
ويسلط هذا الإقرار الرسمي الضوء على واقع المبادلات التجارية السنوية التي كسر سقفها حاجز 22.5 مليار يورو، مما ينقل الشراكة الثنائية إلى مستوى التداخل المالي والإنتاجي الكامل، بعيدا عن التوترات الموسمية التي تثار عقب أحداث الهجرة غير النظامية في مدينة سبتة المحتلة، أو الحملات الإعلامية المناهضة للمنتجات الفلاحية القادمة من الضفة الجنوبية.
وتظهر البيانات المالية الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية أن ميزان المبادلات يميل بوضوح لصالح مدريد بفائض يفوق ثلاثة مليارات يورو. وفي وقت ترتفع فيه أصوات بعض الجهات النقابية والإعلامية اليمينية في إسبانيا للتحذير من المنافسة الزراعية وصادرات البطيخ الأحمر المغربي التي بلغت نحو 149 ألف طن في الاتحاد الأوروبي، تكشف معطيات الفيدرالية الإسبانية لمصممي ومصدري الخضر والفواكه أن المشتريات الإسبانية من الفلاحة المغربية لم تتجاوز 950 مليون يورو.
وفي المقابل، تعتمد قطاعات استراتيجية إسبانية على الأسواق المغربية كمنفذ رئيسي للمنتجات الصناعية، وخصوصا قطع غيار السيارات والمنسوجات، إلى جانب وجود أكثر من 350 مقاولة إسبانية تعمل داخل التراب المغربي باستثمارات تراكمية تناهز ملياري يورو، وفرت ما يزيد عن 27 ألف فرصة عمل مباشرة.
وتتجلى هذه الجاذبية الاقتصادية بوضوح في الأوراش الكبرى للبنية التحتية والتحضيرات الجارية لتنظيم كأس العالم 2030 بالاشتراك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. وقد حصدت المقاولات الإسبانية حصة ناطقة من هذا التحول، وفي مقدمتها شركة “كايف” (CAF) التي ظفرت بعقد يتجاوز 600 مليون يورو لتزويد المملكة بـ 40 قطارا بين المدن بسرعة تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة، وهو مشروع يحظى بدعم عمومي من صندوق تدويل المقاولات الإسباني “FIEM” وسيضمن توفير آلاف الوظائف داخل إسبانيا نفسها.
وفي السياق ذاته، يقود مجمع إسباني تقوده مجموعة “أكسيونا” (Acciona) تشييد محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء بقيمة استثمارية تصل إلى 613 مليون يورو (6.5 مليار درهم)، بتمويل مدريدي بارز عبر آليات ضمان الصادرات والائتمان المالي، مما يؤكد أن البرامج الاستثمارية المتوقعة حتى سنة 2050، والبالغة نحو 45 مليار أورو بحسب تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، تشكل خارطة طريق متماسكة بين البلدين.
وتكشف هذه المعطيات أن كلفة أي قطيعة اقتصادية مع الرباط لن تقع على المغرب وحده، بل ستطال مصالح إسبانية مباشرة، من الشركات المصدرة إلى المقاولات المستثمرة في المملكة، وصولا إلى فرص العقود المرتبطة بالأوراش الكبرى.
فالمنافسة السياسية مع المغرب قد تمنح بعض أطراف اليمين مكاسب انتخابية آنية، لكنها في المقابل قد تفتح الباب أمام منافسين أوروبيين ودوليين للاستحواذ على سوق باتت الشركات الإسبانية حاضرة فيه بقوة، وبذلك، فإن خسارة السوق المغربية لا تعني مدريد فقدان وجهة تجارية فحسب، وإنما تعني احتمال التفريط في موقع اقتصادي استراتيجي يصعب تعويضه بالسرعة نفسها.
ورغم تحركات طيف من اليمين الإسباني، الممثل في الحزب الشعبي وحزب “فوكس”، للضغط باتجاه تقليص أدوار الرباط أو التلويح بملفات الهجرة الحدودية في سبتة المحتلة ومليلية المحتلة، إلا أن القراءة الحسابية لحكومة بيدرو سانشيز تدرك أن الاستغناء عن الشريك المغربي يمثل مخاطرة غير محسوبة العواقب على القطاعات الصناعية والخدماتية الإسبانية.
إن التشابك المالي المتزايد والفرص الاستثمارية المرتبطة بالمونديال تخلق واقعا جديدا يجعل من الرباط محركا أساسيا لنمو العديد من المقاولات الإسبانية الكبرى، ليظل منطق المصالح الاقتصادية المتبادلة والربح المشترك هو الحاكم الفعلي للعلاقات العابرة لمضيق جبل طارق.








التعليقات
0 تعليق