إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

حـين تتـجاوز وحـدة المصير الجـغرافـيا.. كيـف وحـدت الأزيـاء اليمنـية والذكـاء الاصطـناعي وجـدان السـوريين؟

نُشر في

عن هذا الفيديو

ياسمين اشريف

أطلق آلاف المدونين والناشطين السوريين والعرب موجة تضامن رقمية واسعة النطاق لدعم القوات الحكومية اليمنية في معاركها الحاسمة ضد جماعة الحوثي.

وتعتمد الحملة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد صور شخصية للمشاركين وهم يرتدون الزي الشعبي اليمني الأصيل، في خطوة تأتي بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع اليمنية التوجه نحو تحرير العاصمة صنعاء واشتداد المعارك في جبهات الجوف والبيضاء والضالع وحيس.

تأتي هذه الهبة الرقمية بعد أسابيع قليلة من سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، لتعكس شعورا عميقا بوحدة المسار والمصير بين الشعبين. ويرى المشاركون في الحملة أن التخلص من النفوذ الإيراني وأذرعه العسكرية في المنطقة هو هدف مشترك يربط بين دمشق وصنعاء.

وقد غصت منصات التواصل الاجتماعي برسائل المساندة التي تؤكد وقوف الشارع السوري كظهير وسند لليمنيين في سعيهم لاستعادة دولتهم وقرارهم الوطني بعيدا عن التدخلات الخارجية بقوة السلاح.

ولم تكن هذه المشاعر وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتواصل وجداني مستمر تبلور بشكل واضح في الساحة الفنية مؤخرا. فقد تجلى هذا التلاحم عندما أطلق الفنان اللبناني فضل شاكر أغنيته التي احتفت بانتصار الثورة السورية، والتي استمدت كلماتها من قصيدة كتبتها الشاعرة اليمنية جمانة جمال قبل انهيار النظام السوري بأسابيع قليلة. هذا التقاطع الفني والثقافي دفع السوريين اليوم لرد الجميل وتسليط الضوء على المعركة اليمنية المشتعلة.

على الجانب الآخر، استقبل الشارع اليمني، بنخبه ومواطنيه، هذه المبادرة السورية بترحيب حار وامتنان كبير. واعتبر كتاب وإعلاميون يمنيون أن رؤية أشقائهم السوريين يرتدون زيهم التقليدي تمثل إنصافا معنويا يعزز من صمودهم الميداني، ويكسر الروايات المضللة التي تحاول عزل اليمن عن محيطه وجواره. وأكد الناشطون في تعليقاتهم أن من تجرع مرارة القمع والتهجير والدمار هو الأقدر على فهم وتلمس أوجاع الآخرين ومساندتهم في طريق التحرير.

وتعكس هذه الظاهرة تطورا لافتا في أدوات التضامن الشعبي العربي الذي بات يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية ويتخذ من التكنولوجيا الحديثة سلاحا ناعما ومؤثرا. فكما تتوحد الأصوات العربية تاريخيا خلف القضايا الكبرى ورفض أي مساس بالأراضي العربية، سواء بالدفاع عن القضية الفلسطينية أو رفض استمرار الهيمنة الأجنبية على مدن مثل سبتة ومليلية المحتلة، نجد اليوم أن الفضاء الرقمي تحول إلى خندق واحد يجمع الشعوب في مواجهة مشاريع التقسيم وتغول المليشيات المسلحة على حساب الدولة الوطنية.

ولا تقف دلالة هذه الحملة عند حدود صور مولدة بالذكاء الاصطناعي أو موجة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تكشف عن تحوّل أعمق في طبيعة التضامن الشعبي العربي؛ إذ لم تعد المسافة الجغرافية قادرة على فرض العزلة بين الشعوب، كما لم تعد الحواجز السياسية والإعلامية قادرة وحدها على تحديد اتجاه التعاطف الشعبي.

فالزي اليمني الذي ارتداه سوريون في صورهم الرقمية لم يكن مجرد تفصيل بصري، بل تحول إلى رمز لاختبار الذاكرة المشتركة بين شعبين عاشا، كل بطريقته، تجربة الصراع مع العنف والتدخلات الخارجية ومحاولات مصادرة القرار الوطني.

وبذلك أصبحت الصورة نفسها رسالة سياسية وشعبية تقول إن ما يحدث في صنعاء أو في أي مدينة يمنية يمكن أن يجد صداه في دمشق، وإن الجغرافيا التي تفصل البلدين لا تستطيع بالضرورة أن تفصل بين مشاعر شعبيهما.

واللافت أن الذكاء الاصطناعي منح هذا التضامن شكلا جديدا، فبدلا.من الاكتفاء بالمنشورات والشعارات، بات بإمكان أي ناشط أن يحول موقفه إلى صورة رمزية تنتشر في دقائق وتتجاوز الحدود والمنصات واللغات، وهنا تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة للترفيه وصناعة المحتوى إلى وسيلة لإنتاج رموز تضامن عابرة للدول، قادرة على منح القضايا السياسية وجهاً بصرياً سريع الانتشار والتأثير.

لكن الأهم أن هذه الظاهرة تعيد طرح سؤال أوسع: هل نحن أمام ولادة شكل جديد من التضامن العربي، لا تقوده المؤسسات الرسمية بقدر ما تصنعه المجتمعات الرقمية؟ فالمشهد اليمني والسوري يوضح أن الشارع يستطيع بناء جسور وجدانية مستقلة عن الخرائط السياسية، وأن الذاكرة المشتركة للألم والنزوح والحرب قد تكون أحياناً أقوى من المسافات التي تفصل بين العواصم.

ومن هنا، فإن ارتداء السوريين للزي اليمني لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد حملة إلكترونية، بل باعتباره تعبيراً عن رغبة شعبية في استعادة فكرة “المصير المشترك” من فضاء الخطابات التقليدية إلى فضاء الفعل الرقمي. صورة واحدة قد لا تغير موازين المعركة على الأرض، لكنها قادرة على كسر العزلة النفسية والسياسية، ومنح الطرف الذي يخوض الحرب شعورا بأنه ليس وحيدا في الميدان.

وفي وقت أصبحت فيه الحروب تُخاض أيضا على مستوى الرواية والصورة والرمز، قد يكون هذا النوع من التضامن جزءا من معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية: معركة من يملك القدرة على تعريف الحدث، ومن ينجح في إقناع الرأي العام بأن قضية ما ليست شأنا داخليا معزولا، بل حلقة في سلسلة أوسع من التحولات التي تعيد رسم علاقة الشعوب العربية بجغرافيتها وذاكرتها ومصالحها.

ويبدو أن وحدة المصير لم تعد تحتاج بالضرورة إلى حدود مشتركة حتى تصبح محسوسة؛ يكفي أحيانا أن ترتدي شعوب بعيدة زي بعضها، وأن تتحول صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى رسالة تقول إن المسافة بين دمشق وصنعاء أقصر بكثير مما توحي به الخريطة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.