كوثر بوجوال

تتجه الشراكة الدفاعية بين المغرب والهند إلى مرحلة أكثر تقدما، بعدما عقد البلدان، الثلاثاء 8 شتنبر 2026 في نيودلهي، أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة، في خطوة تعكس انتقال التعاون الثنائي من الاتصالات العسكرية التقليدية إلى ملفات أكثر اتساعا تشمل التصنيع المشترك والتكنولوجيا والدفاع السيبراني والتدريب.
وترأس الاجتماع بشكل مشترك العميد عبد الله عثماني، رئيس المكتب الثاني للقوات المسلحة الملكية، وأميتاب براساد، السكرتير المكلف بالتعاون الدولي بوزارة الدفاع الهندية، بحضور مسؤولين وضباط يمثلون القوات البرية والبحرية والجوية الهندية، إلى جانب ممثلين عن إدارة الإنتاج الدفاعي ومنظمة البحث والتطوير الدفاعية الهندية.
وحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن الجانب الهندي، ناقش الاجتماع سلسلة من الملفات ذات الاهتمام المشترك، في مقدمتها التعليم والتدريب العسكري، وعمليات حفظ السلام، والتمارين المشتركة، والطب العسكري، والدفاع السيبراني، إلى جانب فرص توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية.
أول لجنة دفاع مشتركة بين الرباط ونيودلهي

يحمل انعقاد الاجتماع الأول للجنة الدفاع المشتركة دلالة خاصة في مسار العلاقات بين البلدين، إذ يوفر آلية مؤسساتية لمناقشة البرامج العسكرية ومتابعتها بدل حصر التعاون في الزيارات أو الاتفاقات المنفردة.
واتفق الطرفان على مواصلة توسيع العلاقات الدفاعية خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع اقتراب العلاقات الثنائية بين المغرب والهند من إحياء ذكراها السبعين سنة 2027.
ويعكس تنوع الملفات المطروحة خلال الاجتماع رغبة البلدين في بناء تعاون يتجاوز اقتناء المعدات، ليشمل التدريب والخبرة والبحث والتكنولوجيا والإنتاج.
كما يمنح حضور ممثلين عن فروع القوات المسلحة الهندية المختلفة وعن قطاع التصنيع والبحث الدفاعي الاجتماع بعدا عمليا، خصوصا مع تزايد اهتمام الرباط بتطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية.
التصنيع العسكري يتقدم في أجندة التعاون
خصص الوفد المغربي خلال زيارته إلى الهند جانبا من برنامجه للاطلاع على القدرات الصناعية الدفاعية لهذا البلد.
وزار ممثلو الوفد مقرا يضم شركات عسكرية عمومية هندية في نيودلهي، حيث تعرفوا على عدد من الإمكانات التصنيعية والتكنولوجية التي راكمتها الصناعة الدفاعية الهندية.
وبحسب الجانب الهندي، اتفق البلدان على استكشاف فرص التعاون في الإنتاج المشترك والمشاريع المشتركة والشراكات التكنولوجية والصيانة المستدامة.
ويعطي هذا التوجه مؤشرا على أن التعاون المستقبلي قد لا يقتصر على استيراد معدات جاهزة، بل يمكن أن يتجه نحو إقامة مشاريع صناعية أو عمليات تصنيع وتجميع وصيانة داخل المغرب، وفق ما سيتم الاتفاق بشأنه بين الطرفين.
ويأتي ذلك في وقت جعل فيه المغرب تطوير الصناعات الدفاعية المحلية جزءا من توجهه الرامي إلى تعزيز قدراته وتقليص الاعتماد الكامل على الاستيراد، مع البحث عن شراكات تتيح الاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا.
مصنع برشيد يفتح الطريق أمام مشاريع أخرى
لا تبدأ قصة التصنيع الدفاعي المغربي الهندي مع اجتماع نيودلهي الحالي.
ففي أواخر شتنبر 2025، زار وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ المغرب، وهي الزيارة التي شهدت توقيع مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون العسكري بين البلدين في مجالات التكوين والتدريب والأمن والدفاع السيبراني والصناعات الدفاعية.
كما تم الاتفاق على إحداث آلية مشتركة لتنسيق ومتابعة أنشطة التعاون.
وخلال الزيارة نفسها، جرى تدشين مصنع شركة Tata Advanced Systems الهندية بمدينة برشيد لإنتاج المدرعة ذات العجلات WhAP 8×8.
وشكل المشروع أحد أبرز المؤشرات على انتقال العلاقات الدفاعية بين البلدين نحو التصنيع على الأراضي المغربية، بعدما لم يعد التعاون مقتصرا على التبادل العسكري أو شراء المعدات.
وكان وزير الدفاع الهندي قد اعتبر المشروع آنذاك خطوة مهمة لتعزيز الصناعة المشتركة ودعم القدرات الدفاعية للدول الصديقة.
الإنتاج المشترك بدل العلاقة التقليدية بين بائع ومشترٍ
اللافت في أجندة الاجتماع الجديد هو الحضور الواضح لمفهوم الإنتاج المشترك.
فالشراكات التكنولوجية والمشاريع الصناعية المشتركة تتيح للبلدين بناء علاقة مختلفة عن النموذج التقليدي القائم على شراء المعدات العسكرية من مصنع خارجي.
وفي حال تطورت المشاريع المطروحة، يمكن أن تصبح الصناعة أحد المحاور المركزية للعلاقة الدفاعية المغربية الهندية، خصوصا بالنظر إلى توفر المغرب على موقع جغرافي قريب من أوروبا وإفريقيا، مقابل خبرة هندية متنامية في إنتاج المعدات والأنظمة الدفاعية.
لكن طبيعة المشاريع وحجمها وجدول تنفيذها ستظل مرتبطة بما ستسفر عنه المفاوضات والاتفاقيات المستقبلية، إذ لم يتم الإعلان خلال الاجتماع عن صفقات صناعية محددة جديدة.
الدفاع السيبراني يدخل بقوة في التعاون
إلى جانب الصناعات الدفاعية التقليدية، خصص الاجتماع حيزا للدفاع السيبراني.
وأصبح هذا المجال جزءا أساسيا من السياسات الدفاعية الحديثة، مع تزايد الاعتماد على الأنظمة الرقمية والاتصالات والشبكات في إدارة العمليات العسكرية والمنشآت الحساسة.
وكان الدفاع السيبراني حاضرا بالفعل ضمن مذكرة التفاهم الموقعة سنة 2025، ليعود مجددا ضمن أعمال اللجنة المشتركة في نيودلهي.
ويشير ذلك إلى وجود رغبة في جعل التعاون الرقمي والأمني مسارا مستمرا داخل العلاقات العسكرية بين البلدين، إلى جانب مجالات التدريب والصناعة.
التدريب والتمارين وحفظ السلام
لم تقتصر المباحثات على التكنولوجيا والصناعة، إذ ناقش الطرفان أيضا التعاون في مجال التعليم والتكوين العسكري وتنظيم التمارين.
ويتيح التدريب المشترك للقوات تبادل الخبرات والتعرف على طرق عمل مختلفة، كما يمثل أحد أكثر أشكال التعاون العسكري شيوعا بين الدول التي تسعى إلى بناء علاقات دفاعية طويلة الأمد.
كما تطرق الاجتماع إلى عمليات حفظ السلام، وهو مجال يملك فيه البلدان خبرات من خلال المشاركة في بعثات دولية.
وبحث الوفدان كذلك التعاون في الطب العسكري، حيث يتضمن برنامج زيارة الوفد المغربي الاطلاع على قدرات أحد المستشفيات التابعة للجيش الهندي.
زيارة مغربية تستمر إلى 10 شتنبر
يواصل الوفد العسكري المغربي زيارته إلى الهند إلى غاية الخميس 10 شتنبر 2026.
وتجمع الزيارة بين الاجتماعات المؤسساتية والتعرف على الصناعة العسكرية والقدرات الطبية التابعة للقوات المسلحة الهندية، بما يعكس محاولة لاستكشاف أكثر من مسار للتعاون في وقت واحد.
ويمنح البرنامج الجانب المغربي فرصة للوقوف مباشرة على الإمكانات الصناعية والتكنولوجية المتوفرة لدى الهند، في وقت تبحث فيه الرباط عن توسيع شبكة شركائها العسكريين وتنويع مجالات التعاون.
ملحق عسكري هندي في الرباط
شهدت العلاقات العسكرية بين البلدين خلال الفترة الأخيرة خطوة أخرى تمثلت في تعيين الهند ملحقا عسكريا لدى سفارتها في الرباط.
ويتيح وجود ملحق عسكري تعزيز قنوات الاتصال المباشر ومتابعة الملفات الدفاعية بصورة أكثر انتظاما.
كما يتقاطع هذا التطور مع إحداث اللجنة الدفاعية المشتركة، بما يشير إلى اتجاه نحو مأسسة العلاقة بدل إبقائها مرتبطة فقط بالزيارات الرسمية المتفرقة.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع توسع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين ورغبتهما في فتح مجالات جديدة للتعاون.
مشروع طائرة مشتركة مطروح للنقاش
وكان السفير الهندي بالمغرب سانجاي رانا قد كشف، في ماي 2026، عن وجود نقاشات متقدمة لتوسيع التعاون الصناعي والدفاعي بين الرباط ونيودلهي.
ومن بين المشاريع التي أشار إليها مقترح يتعلق بإنتاج طائرة كاملة بشكل مشترك في المملكة.
ولا تزال هذه الفكرة، وفق المعطيات المتاحة، ضمن النقاشات والمقترحات، ولم يتم الإعلان عن اتفاق نهائي أو جدول زمني لتنفيذها.
لكن طرح المشروع يعكس مستوى الطموح الذي وصلت إليه المباحثات الصناعية بين البلدين، خاصة بعد إطلاق تجربة تصنيع المدرعة WhAP 8×8 في برشيد.

شراكة دفاعية تبحث عن مستوى جديد
يبدو أن الاجتماع الأول للجنة الدفاع المشتركة جاء ليجمع في إطار واحد مجموعة من الأوراش التي بدأت خلال السنوات الأخيرة.
فالمغرب والهند أصبحا يتحدثان اليوم عن الإنتاج المشترك، والشراكات التكنولوجية، والصيانة، والدفاع السيبراني، والتدريب والطب العسكري، بعدما كان التعاون بينهما أقل اتساعا في السابق.
ويبقى مصنع برشيد أحد أبرز المشاريع الملموسة في هذا المسار، بينما تفتح مباحثات نيودلهي الباب أمام إمكانية إضافة برامج جديدة خلال المرحلة المقبلة.
وعوض الاكتفاء بعلاقة عسكرية قائمة على التبادل أو شراء المعدات، توحي التحركات الأخيرة بأن المغرب والهند يراهنان على بناء شراكة دفاعية ذات بعد صناعي وتكنولوجي، ستتحدد ملامحها بصورة أوضح مع تحول المشاريع التي يجري بحثها حاليا إلى اتفاقات واستثمارات فعلية.









التعليقات
0 تعليق