ياسر الرقاص
رسخ المغرب مكانته كقاطرة اقتصادية مهيمنة وشريك أول لفرنسا في المنطقة المغاربية خلال عام 2025، محققا قفزة تاريخية في حجم التبادلات التجارية البينية التي بلغت سقف 18.1 مليار دولار.
هذا الرقم الاستثنائي لم يكرس فقط التفوق المغربي، بل كشف عن فجوة آخذة في الاتساع مع باقي الجيران؛ إذ باتت قيمة البضائع الفرنسية المتدفقة نحو الأسواق المغربية وحدها (8.5 مليار دولار) تعادل تقريباً مجمل ما تصدره باريس نحو الجزائر وتونس مجتمعتين.
وتعكس هذه البيانات مسارا تصاعديا تشكل على مدار عقد كامل (2015-2025)، تضاعفت خلاله الصادرات الفرنسية نحو المملكة بنسبة 102%، وترافق مع طفرة موازية في التدفقات العكسية، حيث نمت الصادرات المغربية نحو فرنسا بـ 113% لتستقر عند 9.6 مليار دولار.
وفي تقابل صارخ، يواجه الميزان التجاري الفرنسي-الجزائري حالة من الانكماش الهيكلي؛ فقد تراجعت الصادرات الفرنسية نحو السوق الجزائرية بـ 30% لتهبط إلى 5.8 مليار دولار، بينما تظل الصادرات الجزائرية حبيسة مربع المحروقات. وعلى المحور التونسي، خيم الركود التام على التدفقات الفرنسية بصفر بالمائة كنسبة نمو طيلة العقد الماضي.
ولا يمكن قراءة هذه الهيمنة الرقمية للمغرب بمعزل عن التحولات الجيوسياسية والصناعية العميقة التي تؤطر المنطقة.
فبينما تتأثر خطوط التجارة مع الجزائر بتقلبات المزاج الدبلوماسي المستمرة، يجني المغرب ثمار استراتيجيته الاستباقية في توطين الصناعات الدقيقة والثقيلة.
فالشراكة الفرنسية المغربية تجاوزت منطق التبادل الاستهلاكي البسيط لتتحول إلى اندماج صناعي معقد تقوده سلاسل القيمة في قطاعات السيارات (مصانع رينو وستيلانتيس) وصناعة أجزاء الطيران. كما أن هذا الزخم الاقتصادي يتغذى اليوم من التقارب السياسي الأخير والدعم الفرنسي الواضح لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مما فتح شهية الرساميل الباريسية لضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقات المتجددة.
ويثبت هذا التحول البنيوي أن بوصلة رأس المال الأجنبي باتت تبحث عن الموثوقية المناخية والاستقرار المؤسساتي، متجاوزة الروابط التقليدية لصالح نماذج اقتصادية مندمجة في الأسواق العالمية، قادرة على تحقيق قيمة مضافة بعيدا عن تقلبات أسواق الطاقة التي ترهن اقتصادات مجاورة.








التعليقات
0 تعليق