ياسمين اشريف
تتسع دائرة المطالب بفتح تحقيق مستقل في أوضاع الأطفال داخل مخيمات تندوف، بعدما تداخلت أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف شهادات وتحذيرات حقوقية تتحدث عن انتهاكات تطال القاصرين، من الاختطاف والعنف إلى الفصل عن الأسر والتجنيد والتلقين، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى إخضاع المخيمات لرقابة دولية مستقلة وإنهاء ما تصفه منظمات حقوقية بفراغ الحماية والمساءلة.
وخلال المناقشة العامة للدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عادت قضية الأطفال في مخيمات تندوف إلى الواجهة من بوابة منظمات غير حكومية دولية وإفريقية، التي طالبت بمتابعة أوضاع القاصرين وضمان وصولهم إلى آليات الشكاوى والانتصاف، مع فتح تحقيقات مستقلة في الادعاءات المتعلقة بالتجنيد والنقل والاستغلال.
وفي هذا السياق، أثارت منظمة أوكابروس الدولية لحقوق الإنسان في إفريقيا ما قالت إنها ممارسات تستهدف أطفالا داخل المخيمات، مشيرة، وفق ما عرضته أمام المجلس، إلى فصل بعض القاصرين عن أسرهم ابتداء من سن الثانية عشرة وإخضاعهم لتدريبات عسكرية.
كما تحدثت المنظمة عن أعداد كبيرة من الأطفال الذين قالت إنهم تعرضوا للتجنيد خلال عقود، ودعت إلى تشديد الرقابة الأممية على أوضاع القاصرين وعلى برامج نقل الأطفال إلى الخارج، بما فيها برنامج “عطلة في السلام”، لضمان عدم استغلال هذه التنقلات سياسيا أو المساس بحقوق الأطفال وهويتهم.
ولا تقف المخاوف الحقوقية عند حدود الاتهامات المتعلقة بالتجنيد، إذ سبق أن وصلت قضية طفل قاصر إلى مجلس حقوق الإنسان خلال الدورة الحادية والستين، بعدما عرضت “شبكة وحدة التنمية في موريتانيا” حالة الطفل مولود المحجوب، البالغ من العمر 13 عاما، والذي قالت المنظمة إنه تعرض للاختطاف والاحتجاز غير القانوني والاعتداء الجسدي.
وطالبت المنظمة آنذاك بحماية الطفل وأسرته، وفتح تحقيق مستقل، وإيفاد بعثة أممية لتقصي الحقائق، إلى جانب إنشاء آليات دائمة لرصد أوضاع حقوق الإنسان داخل مخيمات تندوف.
وتمنح هذه القضية بعدا أكثر خطورة للملف، إذ إن الحديث لم يعد مقتصرا على ظروف العيش أو توزيع المساعدات، وإنما امتد إلى مدى قدرة الأطفال على الوصول إلى الحماية القانونية عندما يتعرضون لانتهاكات مزعومة داخل فضاء تغيب فيه، بحسب المنظمات المتدخلة، آليات قضائية مستقلة وفعالة.
وفي موازاة ذلك، عادت الوكالة الدولية للتنمية إلى إثارة وضعية سكان مخيمات تندوف أمام مجلس حقوق الإنسان، داعية إلى إحداث آليات مستقلة وفعالة لمراقبة الأوضاع الإنسانية والحقوقية. ولفت ممثلها إلى أوضاع فئات هشة، من بينها كبار السن والمصابون بأمراض مزمنة، كما استند في مداخلته إلى قضية خديجتو محمد محمد، التي عرضت باعتبارها حالة تستدعي مزيدا من التدقيق والتحقيق المستقل.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية بالنظر إلى أن منظمة النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية سبق أن طالبت، خلال دورات سابقة لمجلس حقوق الإنسان، بضمان ولوج منتظم وغير مقيد للآليات الأممية إلى المخيمات، وإجراء إحصاء شفاف للسكان، وتوفير ضمانات فعلية للحريات الأساسية. كما سبق أن أثارت المنظمة مسألة استمرار غياب آليات رقابة دولية فعالة على أوضاع السكان.
ويبدو أن ملف تندوف يتحرك تدريجيا من دائرة المطالبة بالمساعدات الإنسانية إلى دائرة أكثر حساسية تتعلق بالحماية والمساءلة. فالمساعدات، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن آليات مستقلة للتحقق من الانتهاكات المفترضة، ولا عن ضمان حق الضحايا في الشكوى والانتصاف وجبر الضرر.
أما ملف الأطفال، فيحمل خصوصية أكبر، لأن أي ادعاء يتعلق بتجنيد القاصرين أو فصلهم عن أسرهم أو نقلهم إلى الخارج أو إخضاعهم للتدريب العسكري يفرض، في حال ثبوته، تدقيقا مستقلا لا يكتفي بالتنديد، بل يحدد الوقائع والمسؤوليات والجهات المتورطة، ومن هنا جاءت الدعوات التي طرحت أمام مجلس حقوق الإنسان لتعزيز متابعة أوضاع الأطفال وإجراء تحقيقات مستقلة وضمان إعادة إدماج القاصرين المتضررين.
وتزداد حساسية الملف مع استمرار الحديث عن غياب الرقابة الدولية المباشرة داخل المخيمات. فقد سبق أن أشارت منظمات أمام مجلس حقوق الإنسان إلى أن آليات أممية تنتظر منذ سنوات الحصول على إذن للقيام بزيارات، فيما ظلت مطالب الوصول المنتظم وغير المقيد إلى المخيمات حاضرة في المداخلات الحقوقية المتعاقبة.
وبين شهادات عن أطفال قاصرين، ودعوات إلى التحقيق في وقائع تعذيب واختطاف، وتحذيرات من التجنيد والتلقين ونقل الأطفال إلى الخارج، تتشكل أمام المجتمع الدولي صورة ملف حقوقي متعدد المستويات، لا يمكن حسمه بالبيانات السياسية أو السجالات المتبادلة.
فبعد أن تكررت الشهادات والمطالب الحقوقية من جنيف، لم يعد السؤال فقط عن حجم الانتهاكات المزعومة، وإنما عن مدى استعداد المجتمع الدولي لفتح تحقيق مستقل يضع الوقائع تحت المجهر، ويفتح أبواب المخيمات أمام آليات الرصد، ويمنح الضحايا والأطفال حقهم في أن تُسمع أصواتهم بعيدا عن الحسابات السياسية.
فهل تنتقل هذه الملفات من رفوف المداخلات الحقوقية إلى طاولة التحقيق الأممي؟ وهل تملك الأمم المتحدة الإرادة والآليات الكفيلة بالوصول إلى المخيمات، والتحقق من مصير الأطفال، والاستماع إلى الشهادات، وتحديد المسؤوليات؟ هنا تحديدا يكمن الاختبار الحقيقي لمصداقية المنظومة الدولية؛ لأن حماية الأطفال لا تحتمل مناطق رمادية، والادعاءات المتعلقة بالتجنيد أو التعذيب أو الاستغلال لا ينبغي أن تبقى رهينة السجال السياسي، بل أن تخضع لتحقيق مستقل يكشف الحقيقة كاملة، ويحدد المسؤوليات، ويفتح الطريق أمام المساءلة.
وبينما تتواصل الدورة الثالثة والستون لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، تبدو الكرة في ملعب الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى، فإما أن تتحول الدعوات المتكررة إلى آلية رقابة وتحقيق فعلية، أو يظل ملف أطفال تندوف حبيس البيانات والشهادات، فيما تتواصل الأسئلة حول من يحمي هؤلاء الأطفال، ومن يحاسب من ينتهك حقوقهم.








التعليقات
0 تعليق