إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ملفات خاصة بالتاسعة

سبتة المـحتلة بيـن مأسـاة الـنزوح وصـراع السـرديات.. العلـمي الحـروني يـفـكك لـ”التاسعة” الحـدث المغـربي الإسبـاني

09:25 · 11/09/2026

ياسر الرقاص

يرى العلمي الحروني منسق تيار اليسار الجديد المتجدد أن مأساة النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة لم تنته بانحسار موجة العبور، بل تحولت إلى معركة موازية حول تفسير الحدث وتعريفه ومن يتحمل مسؤوليته، متسائلا: كيف انتقل ما حدث في سبتة المحتلة، في الخطابين المغربي والإسباني، من كونه مأساة إنسانية وأزمة هجرة إلى قضية تتصل بالمسؤولية والسيادة؟ ومن يملك حق تعريف ما حدث في سبتة المحتلة؟ هل هو مجرد أزمة هجرة وضبط للحدود، أم أنه كشف لأزمة اجتماعية وسياسية أعمق، كشف أعاد في الوقت نفسه طرح سؤال السيادة؟

ويؤكد الحروني أن واقعة أحداث 30 و31 يوليوز 2026 لم تنته بانحسار موجة العبور، لقد تحولت إلى معركة موازية حول تفسير الحدث وتعريفه ومن يتحمل مسؤوليته. فمنذ الأيام الأولى بدأت عملية بناء سرديتين متمايزتين في كل من المغرب وإسبانيا، وإن كانتا تلتقيان في هدف معلن المتمثل في منع تكرار العبور الجماعي ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية والتعامل مع ملف القاصرين، فإن الاختلاف سرعان ما ظهر في تحديد أسباب ما جرى وأيضا وفي الدلالة السياسية التي أعطيت لمدينة سبتة المحتلة نفسها.

وفي المرحلة الأولى، يشرح العلمي الحروني أن الرواية المغربية الرسمية ركزت على أن “التعبئة الرقمية والتضليل وشبكات تنظيم الهجرة غير النظامية”. فقد قدمت وزارة الداخلية، في 2 غشت 2026، تفسيرا يضع المعلومات المضللة المتداولة عبر الإنترنت وسوء تأويل المعطيات القانونية والقضائية الإسبانية في قلب عملية التعبئة الجماعية. وهكذا انتقل مركز السؤال من “لماذا يرغب هذا العدد الكبير من المغاربة في مغادرة وطنه؟” إلى كيف جرى دفع هؤلاء إلى محاولة العبور الجماعي؟”.

ويعتبر الحروني أن هذه النقلة ليست تفصيلا في الخطاب، لأنها تخفف من مركزية السؤال الاجتماعي والسياسي المتعلق بأسباب فقدان الأمل، وتضع في الواجهة عناصر خارجية أو ظرفية. وفي الوقت نفسه، حاولت الرواية الرسمية المغربية تثبيت أرقامها الخاصة للحدث، هكذا أصبحت الأرقام جزءا من التنافس على تعريف حجم الأزمة.

ويضيف أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لاحقاً أضاف عناصر أكثر تركيبا، إذ أكد وجود تعبئة رقمية واسعة وتأثير تأويل قرار المحكمة الإسبانية العليا، لكنه وثق في الوقت نفسه إجراءات ميدانية لمنع التنقل نحو الشمال، وسجل ضحايا وإصابات واعتقالات، ودعا إلى تدقيق مسؤول في أعداد الوفيات. وبذلك لم تعد الرواية المغربية الواحدة متجانسة تماماً، بل ظهرت داخلها طبقات أمنية وحقوقية وإنسانية مختلفة.

ومن وجهة نظر الحروني، بدأت السردية المغربية في التوسع تدريجياً من الهجرة إلى القاصرين، ومن القاصرين إلى السيادة. فبدل أن يبقى النقاش محصوراً في كيفية منع العبور، أصبح ملف القاصرين المغاربة في سبتة مدخلا لإعادة تقديم القضية باعتبارها مسؤولية الدولة المغربية تجاه مواطنيها، قبل أن ينتقل الخطاب، مع عبد اللطيف وهبي، إلى التأكيد على أن سبتة ومليلية المحتلتين تظلان موضوعاً سيادياً في العلاقة مع إسبانيا.

ثم جاءت الإشارة التي حملها خطاب أحمد التوفيق في 24 غشت 2026 إلى سبتة بوصفها فضاءً من فضاءات الذاكرة العلمية والدينية المغربية، بما أعاد إدخال المدينة في إطار تاريخي وحضاري.

ويلفت الحروني إلى أن السردية المغربية أخذت تتدرج من “تضليل وتعبئة غير نظامية” إلى “مسؤولية عن القاصرين”، ثم إلى “قضية سيادة وذاكرة تاريخية”. هذه الطبقات الأربع ــ الأمنية والقانونية والإنسانية والسيادية ــ عكست تطورا واضحاً في طريقة تقديم الحدث للرأي العام.

أما في الجانب الإسباني، فيشير الحروني إلى أن سرديته تشكلت من منطلق مختلف تماما: “سبتة مدينة إسبانية وحدود أوروبية، وما وقع فيها أزمة هجرة وأمن وضغط على حدود الاتحاد الأوروبي.” ولهذا لم تكن تسمية المكان مسألة لغوية محايدة؛ ففي الخطاب المغربي تحضر عبارة “سبتة المحتلة”، ما يضع الحدث داخل إطار الاحتلال والمطالبة بالسيادة، بينما تستعمل مدريد “سبتة” أو “المدينة ذات الحكم الذاتي” لتضعها داخل إطار السيادة الإسبانية والحدود الوطنية والهجرة غير النظامية.

ويخلص إلى أن منطق السرديتين كان مختلفا منذ البداية، فالمغرب يقرأ الحدث في فضاء يجمع الهجرة والسيادة، بينما تسعى إسبانيا إلى الفصل بينهما، بحيث يمكن التعاون مع المغرب في ضبط الهجرة وإعادة الأشخاص، من دون فتح أي نقاش حول الوضع السيادي للمدينتين. وقد بدا هذا الفصل أكثر وضوحاً عندما أكدت مدريد أن سيادتها على سبتة ومليلية ليست موضوعاً للتفاوض، بالتوازي مع إشادتها بالتعاون الأمني المغربي.

وفي قراءة العلمي الحروني، فإن السرديتين رغم اختلافهما العميق تلتقيان في نقطة أساسية، فكلتاهما تحاولان التحكم في معنى الحدث قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية أكبر. فالمغرب لا يريد أن يظهر بوصفه مجرد حارس لحدود أوروبية كما لا يريد في الوقت نفسه أن يختزل ما حدث في أزمة اجتماعية داخلية لا علاقة لها بالسياق السيادي والجيوسياسي.

أما إسبانيا، من جهتها، كما يوضح الحروني، تريد الاعتراف بالتعاون المغربي في ضبط الحدود، مع منع هذا التعاون من التحول إلى اعتراف ضمني بأن وضع سبتة ومليلية قابل للتفاوض. بهذا المعنى، فإن المعركة حول السردية ليست أقل أهمية من المعركة على الحدود، ذلك أن من يحدد طبيعة الحدث يساهم إلى حد بعيد في تحديد المسؤوليات ورسم حدود النقاش السياسي الذي سيأتي بعده.

ويرى الحروني أن هذا التطور يظهر حدود السرديتين معا. فالرواية الأمنية المغربية لا تجيب عن السؤال الأصعب: لماذا وجدت الدعوات الرقمية قابلية واستجابة هائلة بهذا الحجم؟ كما أن الرواية الإسبانية لا تستطيع نفي حقيقة أن النزوح الجماعي يحمل شحنة تاريخية وسياسية وسيادية خاصة.

ومن هنا، يدعو الحروني إلى قراءة تتجاوز السرديتين الرسميتين معا إلى سردية تنظر إلى النزوح الجماعي كنقطة تقاطع بين أزمة اجتماعية مغربية حقيقية، وأزمة حدود وهجرة أوروبية، وسؤال سيادي تاريخي لم يحسم.

ويؤكد في ختام هذا الجزء أن ما تغير بعد 30 و31 يوليوز 2026 هو بالضبط موقع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين داخل الخطاب السياسي نفسه. لقد انتقلت المدينتين من كونها فضاء حدوديا تظهر فيه أزمات الهجرة بصورة دورية إلى نقطة التقاء بين سؤال مستقبل الشباب المغربي وسياسة الهجرة الأوروبية والعلاقات المغربية الإسبانية وبالتالي سؤال السيادة والقرار الوطني.

ويحذر الحروني من أن أخطر ما في الأمر أن استمرار بناء كل طرف لسرديته الخاصة، من دون فتح نقاش صريح حول جذور الأزمة وأبعادها السياسية والاجتماعية والسيادية، قد يجعل الحدود نفسها مسرحا لتكرار الأزمة بدل أن تكون مناسبة لمعالجة أسبابها.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.