ياسر الرقاص
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب روايته عن أحداث 11 شتنبر إلى واجهة الجدل، بعدما تحدث عن واقعة قال فيها إن رجلَي إطفاء حملاه من تحت ذراعيه وأبعداه عن مبنى كان يخشى أن ينهار فوقه، في شهادة جديدة أضافت تفصيلا دراميا إلى سلسلة طويلة من التصريحات التي أدلى بها عن موقعه وتحركاته خلال الساعات التي أعقبت الهجمات.
وجاءت الرواية الجديدة في كلمة ألقاها ترمب في واشنطن، بالتزامن مع الاستعداد لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 شتنبر، قبل أن يعود عبر منصة “تروث سوشيال” ليؤكد أن روايته دقيقة، موضحا أنه لم يكن في موقع مركز التجارة العالمي لحظة انهيار البرجين، وإنما وصل إلى المنطقة بعد ذلك بوقت قصير برفقة فريق من عمال البناء.
وبحسب الرواية التي قدمها الرئيس الأمريكي، كان مبنى “يو إس ستيل” القريب من موقع الكارثة يصدر أصواتا اعتبرها مؤشرا إلى احتمال انهياره، الأمر الذي دفع رجلَي إطفاء إلى التدخل وإبعاده عن المكان. وقال ترمب إن الرجلين أمسكاه من ذراعيه وحملاه وركضا به بعيدا، رغم تأكيده أنه كان قادرا على الجري بمفرده.
لكن هذه الجزئية تحديدا فتحت الباب أمام سؤال أكثر حساسية: أين الدليل على واقعة الإنقاذ التي يرويها الرئيس الأمريكي بعد ربع قرن؟
مراسل شبكة “سي إن إن” دانيال ديل أشار إلى أن الرواية لم تقدم حتى الآن دليلا مستقلا يثبت واقعة حمل ترمب على أيدي رجال الإطفاء، معتبرا أن بعض عناصرها تظل غير مثبتة، في وقت قال فيه فريق ترمب إن الرجل كان مواطنا عاديا آنذاك، ولم تكن جميع تحركاته موثقة بالكاميرات.
وتزداد حساسية الرواية الجديدة بسبب تاريخ طويل من التصريحات المتباينة لترمب بشأن ذلك اليوم.
ففي تصريحات سابقة، قال ترمب إنه كان في مبنى يقع في مانهاتن، وشاهد الطائرة الثانية وهي تصطدم بالبرج الجنوبي، كما تحدث في مناسبات أخرى عن مشاهدته أشخاصا يقفزون من البرجين.
وقد راجعت وسائل إعلام أمريكية هذه الروايات، مشيرة إلى أن شقته في برج ترمب كانت تبعد أكثر من أربعة أميال عن مركز التجارة العالمي، وهو ما جعل بعض تفاصيل شهادته موضع تدقيق واسع.
وفي مقابلة هاتفية أجراها في يوم الهجمات نفسه، تحدث ترمب عن رؤيته الانفجار من مكتبه، كما أشار إلى مبنى يملكه في منطقة المال بمدينة نيويورك، وقال إن انهيار البرجين جعل مبناه يبدو الأطول في المنطقة. وأظهرت مراجعات لاحقة أن حديثه في ذلك اليوم لم يتضمن الرواية التي ظهرت لاحقا بشأن مشاهدة أشخاص يقفزون من الأبراج.
ومع مرور السنوات، اتسعت الرواية تدريجيا لتشمل أدوارا مختلفة نسبها ترمب إلى نفسه بعد الهجمات، من إرسال عمال للمساعدة إلى التوجه نحو موقع الكارثة، وصولا إلى رواية حمله جسديا من المنطقة بواسطة رجلَي إطفاء.
وهنا تكمن نقطة الجدل الأساسية، إذ لا يدور النقاش فقط حول المكان الذي كان فيه ترمب في صباح 11 سبتمبر، وإنما حول الطريقة التي أعاد بها بناء موقعه داخل واحدة من أكثر اللحظات حساسية في الذاكرة الأمريكية، فالهجمات التي أودت بحياة آلاف الأشخاص لم تكن حدثا سياسيا عاديا، بل شكلت نقطة تحول أعادت رسم السياسة الأمنية الأمريكية والعلاقات الدولية لسنوات طويلة.
ومع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين، تستعيد الولايات المتحدة تفاصيل ذلك اليوم عبر شهادات الناجين ورجال الإنقاذ وأسر الضحايا، ما يجعل أي رواية شخصية عن الوقائع المحيطة بالكارثة عرضة للتدقيق، خصوصا عندما تصدر عن رئيس يشغل المنصب نفسه اليوم.
وتظهر الشهادات التاريخية أن رجال الإطفاء في نيويورك كانوا في قلب الكارثة منذ دقائقها الأولى، وأن محطات قريبة من مركز التجارة العالمي دفعت ثمنا بشريا هائلا خلال عمليات الإنقاذ. وتواصل فرق الإطفاء حتى اليوم حمل ذاكرة ذلك اليوم باعتبارها جزءا من تاريخ المؤسسة والمدينة.
في المقابل، يدافع مؤيدو ترمب عن روايته بالقول إن الرئيس لم يزعم وجوده داخل البرجين لحظة الهجوم، وإن وصوله إلى المنطقة بعد وقوع الكارثة ومشاركته، وفق روايته، في محاولات المساعدة جزء من تجربته الشخصية مع الحدث.
لكن المشكلة التي تواجه هذه الرواية لا تتعلق فقط بإمكانية حدوث الواقعة، وإنما بغياب دليل مستقل يحسمها حتى الآن، وهذا ما يعيد القصة إلى منطقة أكثر تعقيدا: الذاكرة الشخصية من جهة، والسجل التاريخي الموثق من جهة أخرى.
فقد أثبتت المراجعات السابقة أن ترمب تحدث على مدى سنوات عن 11 سبتمبر بصيغ مختلفة، وبعض تلك التصريحات أثارت تدقيقا واسعا بسبب المسافة الجغرافية أو بسبب اختلافها عن ما قاله في السنوات الأولى بعد الهجمات.
وبذلك، لا تبدو رواية رجال الإطفاء مجرد تفصيل عابر في خطاب الذكرى الخامسة والعشرين، بل حلقة جديدة في نقاش أقدم حول الطريقة التي يقدم بها ترمب نفسه شاهدا على الأحداث الكبرى في التاريخ الأمريكي.
فهل نحن أمام ذاكرة شخصية استعادها الرئيس بعد سنوات، أم أمام رواية سياسية أخذت تفاصيلها تتغير مع مرور الزمن؟ والجواب لن تحسمه قوة العبارة التي استخدمها ترمب، ولا حجم التفاعل الذي أحدثته القصة، وإنما الدليل الذي يمكن أن يثبت ما حدث فعلا في تلك الساعات التي غيرت وجه الولايات المتحدة والعالم.








التعليقات
0 تعليق