هجر إمغري
دخلت القدرة الشرائية بقوة إلى صدارة النقاش السياسي مع انطلاق الحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري، بعدما تحولت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأسر المغربية إلى محور أساسي في خطابات المرشحين وبرامج الأحزاب المتنافسة على مقاعد مجلس النواب.
وأعاد انطلاق الحملة الانتخابية ترتيب أولويات الخطاب السياسي، حيث وجد المرشحون أنفسهم أمام ملفات ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، وتكاليف المعيشة، ومستوى الدخل، وفرص الشغل، إضافة إلى الحماية الاجتماعية والدعم الموجه إلى الفئات التي تواجه صعوبات اقتصادية متزايدة.
وسارع عدد من الأحزاب والمرشحين إلى تقديم وعود تتعلق بتحسين الظروف المعيشية، واضعين القدرة الشرائية ضمن قائمة الملفات التي تحتاج إلى تدخل سياسي وتشريعي خلال الولاية المقبلة. كما حضرت وعود مواجهة الغلاء وتخفيف الأعباء عن الأسر بشكل واضح في اللقاءات والتجمعات التي شهدتها عدد من الدوائر الانتخابية منذ الساعات الأولى للحملة.
وتحاول التنظيمات السياسية، من خلال هذا الخطاب، الاقتراب من الانشغالات التي يلمسها المواطن بشكل مباشر في حياته اليومية، خصوصا أن النقاش حول القدرة الشرائية لم يعد مرتبطا فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة الأسر على مواجهة المصاريف اليومية وتلبية حاجياتها الأساسية والحفاظ على مستوى معيشي مستقر.
وتعهد مرشحون بالدفاع عن إجراءات تستهدف الحد من تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين، مع التركيز على ضرورة ضمان توفر المواد الأساسية بأسعار يمكن تحملها، إلى جانب البحث عن آليات تساهم في تحسين مداخيل الأسر وتوسيع فرص العمل أمام الشباب والباحثين عن وظائف.
وفي السياق نفسه، برز ملف الأجور باعتباره أحد المفاتيح التي تربط بين تحسين القدرة الشرائية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، إذ ركزت وعود انتخابية على تحسين مستوى الدخل وربطه بارتفاع تكاليف المعيشة، بما يسمح للأسر بالحفاظ على قدر أكبر من التوازن بين مداخيلها والمصاريف التي تتحملها بشكل مستمر.
كما عاد التشغيل إلى واجهة الخطاب الانتخابي باعتباره عنصرا أساسيا في معالجة الإشكالات المرتبطة بالقدرة الشرائية. فالحصول على دخل قار ومستقر يظل بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين أكثر من مجرد مطلب اقتصادي، بل يمثل مدخلا للاستقرار الأسري والاجتماعي، خصوصا بالنسبة إلى الشباب الذين يبحثون عن فرص تسمح لهم ببناء مستقبل مهني أكثر وضوحا.
وتضمنت الوعود الانتخابية كذلك إشارات متكررة إلى الحماية الاجتماعية، باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تخفف من الأعباء عن الأسر والفئات الهشة، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد. وتراهن بعض الخطابات السياسية على تطوير هذه المنظومة وتوسيع نطاق الاستفادة منها وتعزيز قدرتها على الاستجابة للحاجيات الجديدة للمواطنين.
ويكشف تركيز الأحزاب على هذه الملفات عن إدراك واضح لكون الاقتصاد اليومي أصبح عاملا حاسما في تشكيل مواقف الناخبين، إذ لم تعد الوعود السياسية منفصلة عن الأسئلة المرتبطة بأسعار المواد الغذائية، والدخل، والعمل، والسكن، والصحة، والتعليم، وغيرها من الخدمات التي تؤثر بشكل مباشر في مستوى عيش الأسر.
وبينما تتنافس الأحزاب على تقديم تصوراتها لمعالجة هذه القضايا، ينتظر المواطنون الانتقال من مستوى الخطاب والوعود إلى إجراءات قابلة للقياس، خصوصا أن تحسين القدرة الشرائية يتطلب سياسات مترابطة لا تقتصر على معالجة الأسعار فقط، وإنما تشمل أيضا الأجور والتشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر هشاشة.
ويفرض هذا الواقع على المرشحين تقديم برامج أكثر دقة ووضوحا، تحدد الوسائل التي سيتم اعتمادها لتحقيق الوعود المعلنة، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة. فالمواطن الذي يواجه يوميا ارتفاع تكاليف عدد من الحاجيات الأساسية يريد معرفة كيفية تنزيل المقترحات السياسية، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيقها، والنتائج المنتظرة منها على أرض الواقع.
وفي المقابل، أصبحت القدرة الشرائية اختبارا حقيقيا لجدية البرامج الانتخابية، لأن الوعود المتعلقة بتحسين مستوى المعيشة تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات المنتخبة على صياغة قوانين وسياسات تستجيب للتحولات الاقتصادية، وتضمن توازنا بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب موعد الاقتراع، حيث تحاول مختلف القوى السياسية إقناع الناخبين بأن برامجها قادرة على تقديم حلول للملفات التي تشغلهم. وبين الأغلبية والمعارضة، يظهر ملف القدرة الشرائية باعتباره نقطة مشتركة في الخطاب الانتخابي، رغم اختلاف التصورات والآليات المقترحة لمعالجته.
ويضع ذلك الأحزاب أمام مسؤولية كبيرة خلال المرحلة المقبلة، لأن المواطن لا يقيس البرامج السياسية فقط بعدد الوعود التي تتضمنها، وإنما بمدى واقعيتها وقدرتها على الاستجابة لمشاكله اليومية. كما أن الحفاظ على القدرة الشرائية لا يرتبط بإجراء واحد، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تجمع بين تحسين الدخل، ودعم التشغيل، وتقوية الحماية الاجتماعية، وضمان استقرار الأسواق.
وتتجه الأنظار، مع استمرار الحملة الانتخابية، إلى مدى قدرة المرشحين على تقديم أجوبة أكثر تفصيلا حول هذه الملفات، خصوصا أن النقاش الاقتصادي والاجتماعي مرشح للحضور بقوة في اللقاءات الانتخابية المقبلة. وسيكون على الأحزاب أن تحول شعارات حماية القدرة الشرائية إلى مقترحات واضحة يمكن للناخب تقييمها ومقارنتها مع باقي البرامج.
وبذلك، فرضت القدرة الشرائية نفسها منذ اليوم الأول للحملة الانتخابية كواحد من أبرز مفاتيح المنافسة السياسية، بعدما التقت عندها مطالب المواطنين مع حسابات الأحزاب والمرشحين. وبينما تتعدد الوعود، يبقى الرهان الحقيقي مرتبطا بقدرة المنتخبين بعد الاقتراع على تحويل الخطاب الانتخابي إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بآثارها في دخله ومصاريفه ومستوى عيشه.








التعليقات
0 تعليق