رحاب الغرباوي
وضعت مداخلات الفرق النقابية بمجلس المستشارين البرنامج الحكومي الجديد أمام مجموعة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظر أجوبة عملية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحسين الأجور، وتوسيع فرص الشغل، وضمان استدامة الحماية الاجتماعية، إلى جانب إصلاح أنظمة التقاعد وصيانة حقوق الأجراء.
اقرأ أيضا:أغلبية مجلس المستشارين تدافع عن انسجام الحكومة وتطالب بتنزيل الوعود الاجتماعية

وخلال الجلسة العمومية التي خصصها المجلس، اليوم الأربعاء، لمناقشة البرنامج الذي عرضته رئيسة الحكومة يوم الاثنين أمام البرلمان بغرفتيه، تباينت مواقف المركزيات النقابية بين الإشادة بالأولويات المعلنة والمطالبة بتسريع تنفيذها، وبين التحذير من عمومية بعض التعهدات وغياب آجال دقيقة لتنزيلها، خاصة تلك المرتبطة بالدخل والحقوق الاجتماعية.
القدرة الشرائية تتصدر المطالب النقابية
احتل غلاء المعيشة موقعا مركزيا في مداخلات ممثلي النقابات، بالنظر إلى انعكاساته على الأوضاع اليومية للأجراء والأسر المغربية، حيث طالب الاتحاد المغربي للشغل بإجراءات ملموسة تحد من المضاربات وتساهم في استعادة التوازن بين المداخيل وتكاليف الحياة.
واعتبر نور الدين سليك، رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل بمجلس المستشارين، أن الاستجابة لانتظارات الطبقة العاملة تقتضي إقرار زيادة عامة في الأجور وتحسين مستويات الدخل، مع الإسراع بتنفيذ الالتزام الحكومي المتعلق بالتخفيض الضريبي على الأجور والدخل.
وشدد المتحدث على ضرورة إلزام المشغلين باحترام المقتضيات القانونية المنظمة لعلاقات الشغل، وضمان ممارسة الحريات النقابية وإرساء مفاوضات جماعية تفضي إلى نتائج ملموسة، محذرا من استمرار التضييق على العمل النقابي أو استهداف الأجراء بسبب انتمائهم النقابي وأنشطتهم.
قانون الإضراب يثير مطالب بالمراجعة
لم تقتصر مطالب الاتحاد المغربي للشغل على الأجور والحماية الاجتماعية، بل امتدت إلى الإطار القانوني المنظم للعمل النقابي، إذ دعا سليك إلى تعليق العمل بالقانون التنظيمي للإضراب الذي أقرته الحكومة السابقة، مع فتح مفاوضات حقيقية بشأن نص بديل يوازن بين مختلف الأطراف ويحظى بتوافق اجتماعي.
ويرى الفريق النقابي أن تمرير القانون في غياب حوار اجتماعي منتج أفضى إلى صيغة لا تستجيب، بحسب موقفه، لمصالح الطبقة العاملة ولا لمتطلبات صون الحريات النقابية.
وفي سياق متصل، طالب بوضع سياسة تشغيل تضمن العمل اللائق وتحد من الهشاشة، مع تشديد الرقابة على قطاع المناولة، خصوصا في مجالي الحراسة والنظافة، حيث دعا إلى مواجهة أشكال الاستغلال التي تطال العاملات والعمال.
كما نبه إلى اتساع البطالة وسط الشباب، بمن فيهم حاملو الشهادات والمتوفرون على خبرات مهنية، داعيا إلى اعتماد استراتيجية وطنية تستثمر مؤهلات هذه الفئات، مع منح التكوين المهني دورا أكبر في تأهيل الباحثين عن العمل وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
التعليم والصحة العموميان في صلب الدولة الاجتماعية
ربط الاتحاد المغربي للشغل نجاح الرهان الاجتماعي بقدرة الحكومة على الحفاظ على المرافق العمومية وتقويتها، معتبرا أن التعليم والصحة يشكلان ركيزتين أساسيتين لأي سياسة تستهدف تقليص الفوارق وضمان تكافؤ الفرص.
وأكد سليك أن الخدمات العمومية الأساسية ينبغي أن تستجيب لحاجيات المواطنين، بعيدا عن إخضاعها لمنطق الربح التجاري، مشددا على ضرورة توفير شروط تضمن استمراريتها وجودتها، وتحسين أوضاع العاملين بها.
ويضع هذا الموقف مسألة تمويل الخدمات الاجتماعية وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات ضمن التحديات المطروحة أمام الحكومة، خصوصا في ظل المطالب النقابية بتخفيف الأعباء المرتبطة بالعلاج والتعليم عن الأسر، وضمان استفادتها الفعلية من الحقوق الاجتماعية.
الاتحاد العام للشغالين يشيد بأولويات البرنامج
على خلاف النبرة النقدية التي طبعت بعض المطالب، عبّر الاتحاد العام للشغالين بالمغرب عن تقديره للأولويات التي تضمنها البرنامج الحكومي، معتبرا أنها تستجيب لعدد من الانشغالات التي يثيرها المواطنون بشأن أوضاعهم المعيشية ومستقبل الخدمات الاجتماعية.
وقال عبد اللطيف مستقيم، رئيس الفريق البرلماني للاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين، إن البرنامج يتضمن اختيارات مهمة، خاصة في ما يرتبط بمحاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة، معتبرا أن الوفاء بهذه الالتزامات من شأنه تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
كما نوه بما ورد بشأن حماية القدرة الشرائية وترسيخ الدولة الاجتماعية، داعيا إلى الإسراع في تحويل التعهدات إلى إجراءات ملموسة، وإلى تعبئة جماعية لضمان تنفيذها.
وأبرز مستقيم أن معالجة هشاشة الأسر تستدعي الانتباه إلى العوامل الاقتصادية المؤثرة في ميزانياتها، ولا سيما تكاليف السكن والنقل وغلاء المعيشة. كما أشاد بالإجراءات المعلنة لتشجيع الشباب المقبلين على الزواج، من خلال دعم مالي قد يصل إلى خمسة آلاف درهم.
وسجل الفريق ذاته أهمية التعهدات المتعلقة بمراجعة مدونة الشغل، ومأسسة الحوار القطاعي في قطاع التعليم، وإصلاح أنظمة التقاعد عبر الحوار الاجتماعي، فضلا عن إحداث ميثاق للشغل اللائق وتوسيع آليات مشاركة مغاربة العالم في السياسات العمومية.
الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تحذر من تأجيل الالتزامات
في المقابل، اعتبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن عددا من التعهدات الاجتماعية الواردة في البرنامج الحكومي ما زال يفتقر إلى الدقة المطلوبة، سواء من حيث آجال التنفيذ أو الالتزامات القابلة للقياس، منتقدة تركيز البرنامج على مؤشرات العجز والمديونية مقابل عدم تحديد المستوى المنتظر لتحسين أوضاع الأجراء والفئات الشعبية.
وسجلت المركزية النقابية أن الرهان على الاستثمار والقطاع الخاص لا يكفي، في حد ذاته، لضمان استفادة الشغيلة من ثمار النمو الاقتصادي، خاصة في ظل غياب التزام صريح بزيادة عامة في الأجور والمعاشات، رغم استمرار الضغوط على القدرة الشرائية.
ومن وجهة نظرها، يقتضي تحسين الدخل إصلاحا ضريبيا شاملا يخفف العبء عن أصحاب الأجور المنخفضة والمتوسطة، ويضمن مساهمة أكثر عدالة للأرباح الكبرى والثروات. كما شددت على أن حماية المستهلك تستلزم مواجهة الاحتكار والاختلالات التي تعرفها الأسواق.
وأثارت الكونفدرالية، في هذا الإطار، غياب موقف واضح بشأن إعادة تشغيل شركة «سامير»، معتبرة أن ملف المصفاة يرتبط مباشرة بقضايا الأمن الطاقي وقدرات التكرير والتخزين الوطنية.
إصلاح التقاعد والحماية الاجتماعية أمام اختبار التوافق
احتل إصلاح التقاعد بدوره حيزا مهما من مداخلة لحسن نازهي، منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، الذي رفض أي إصلاح يحمل الأجراء كلفة الاختلالات المالية للأنظمة أو ينتقص من حقوقهم ومكتسباتهم أو ينعكس سلبا على قيمة معاشاتهم وسن تقاعدهم.
ودعا نازهي إلى بلورة إصلاح عادل عبر تفاوض فعلي مع النقابات، بما يضمن استدامة الأنظمة وتحسين المعاشات وصيانة الحقوق المكتسبة، معتبرا أن توسيع قاعدة الشغل المستقر والمصرح به يشكل أحد المداخل الأساسية لمعالجة الاختلالات المالية.
كما ربط المتحدث نجاح تعميم الحماية الاجتماعية بضمان استفادة المواطنين من حقوقهم بصورة فعلية ومستدامة، وفق المعايير الدولية، مشيرا إلى الاتفاقية رقم 102، ومؤكدا أهمية اعتماد تمويل تضامني مستدام وتقوية قطاعي التعليم والصحة العموميين.
وشملت المطالب أيضا معالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، وتحسين الأوضاع المادية والمهنية للعاملين، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تؤثر في استفادة المواطنين من الخدمات الأساسية.
الحوار الاجتماعي محور الخلاف بين الحكومة والنقابات
أعادت مناقشة البرنامج الحكومي إلى الواجهة مسألة موقع النقابات في صياغة القرارات الاجتماعية والاقتصادية، بعدما انتقدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ما اعتبرته غيابا لتحديد واضح لمكانة التنظيمات النقابية في التصريح الحكومي، الذي اكتفى، بحسب مداخلتها، بالإشارة إلى الانفتاح والتشاور مع الشركاء الاجتماعيين.
واعتبر نازهي أن الحوار الاجتماعي ينبغي أن يتجاوز تبادل الآراء إلى تفاوض فعلي يفضي إلى التزامات متبادلة ونتائج قابلة للتنفيذ، خاصة في الملفات المرتبطة بالأجور والتقاعد والتشغيل والحماية الاجتماعية.
كما دعا إلى ربط الدعم العمومي والصفقات العمومية باحترام قانون الشغل والتصريح بالأجراء لدى أنظمة الحماية الاجتماعية، معتبرا أن فعالية سياسة التشغيل تقاس بقدرتها على إحداث مناصب مستقرة بأجور منصفة وتغطية اجتماعية فعلية.









التعليقات
0 تعليق