كوثر بوجوال
قدم المغرب، خلال اجتماع أممي في جنيف، مقاربة تقوم على ثلاثة خيارات لإنهاء الوضع الممتد لسكان مخيمات تندوف في الجزائر، داعيا إلى الانتقال من تدبير الوضع الإنساني القائم إلى تمويل حلول مستدامة تتيح لكل شخص اختيار المسار الذي يناسبه بصورة حرة وطوعية.
وعرض عمر زنيبر، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، أمام اللجنة الدائمة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ثلاثة مسارات تتمثل في العودة الطوعية إلى الوطن، أو الاندماج في البلد المضيف الجزائر، أو إعادة التوطين في دولة ثالثة مستعدة لاستقبال المعنيين.
وأكد المسؤول المغربي استعداد المملكة للمساهمة في الخيارات الثلاثة، مع التشديد على أن القرار ينبغي أن يبقى فرديا وطوعيا، داعيا في الوقت ذاته المفوضية الأممية إلى إدراج هذه الحلول ضمن تصورها المالي المخصص للمخيمات بدل الاكتفاء بتمويل وضع مستمر منذ عقود.
ثلاثة مخارج بدل استمرار الوضع نفسه
ترتكز المقاربة المغربية، بحسب زنيبر، على الحلول المعروفة في القانون الدولي للاجئين بالنسبة إلى أوضاع النزوح الممتدة.
ويأتي في مقدمة هذه الخيارات العودة الطوعية إلى الوطن، وهو المسار الذي جدد المغرب الدعوة إليه استنادا إلى نداء سابق للملك محمد السادس، مع التأكيد على أن العودة ستكون دون شروط وعلى أساس الاختيار الفردي.
أما الخيار الثاني فيتمثل في الاندماج في البلد المضيف، أي الجزائر، بما يسمح للأشخاص الذين يختارون البقاء هناك ببناء حياتهم داخل الإطار الاقتصادي والاجتماعي والقانوني للبلد.
ويقوم الخيار الثالث على إعادة التوطين في دول أخرى تبدي استعدادها للمساهمة في إيجاد مخرج دائم للمعنيين.
ويرى المغرب أن استمرار المخيمات بالشكل الحالي لا ينبغي أن يتحول إلى وضع دائم، خصوصا في ظل استمرار الاحتياجات الإنسانية وتراجع الموارد المخصصة للعمل الإنساني عالميا.
الرباط تطلب ربط التمويل بالحلول
وجه زنيبر انتقادات إلى الطريقة التي يجري بها التعامل مع الموارد المالية المخصصة لمخيمات تندوف، داعيا إلى إعادة النظر في أولويات الإنفاق.
وأشار إلى أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عبأت، منذ سنة 2021، نحو 90 مليون دولار لفائدة المخيمات، بينما قال إن مؤشرات مرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لم تعرف تحسنا يوازي حجم التمويلات.
واعتبر المسؤول المغربي أن استمرار تمويل الاحتياجات نفسها عاما بعد آخر دون الانتقال نحو حلول نهائية يحول التدخل الإنساني، في تقديره، إلى آلية لإبقاء الوضع قائما بدل إنهائه.
ولهذا دعا المفوضية إلى وضع حلول مخيمات تندوف في صلب تخطيطها المالي، والعمل مع الدول المعنية والجهات المانحة على بحث الخيارات الثلاثة قبل انعقاد دورة اللجنة التنفيذية للمفوضية.
مؤشرات إنسانية مقلقة داخل المخيمات
استحضر الطرح المغربي أيضا المعطيات الواردة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن تطورات ملف الصحراء خلال الفترة الممتدة من 31 أكتوبر 2024 إلى 30 شتنبر 2025.
وأفاد التقرير، وفق المعطيات المنقولة، بتدهور الحالة التغذوية لسكان المخيمات، خصوصا الأطفال والنساء في سن الإنجاب.
ويعكس هذا الوضع استمرار هشاشة الظروف الإنسانية، في وقت تواجه فيه المنظمات الدولية ضغوطا متزايدة على ميزانياتها بفعل تعدد الأزمات والنزاعات في مناطق مختلفة من العالم.
وأشار زنيبر من جهته إلى ارتفاع مؤشرات سوء التغذية وتراجع الاستقلالية الاقتصادية للسكان، متحدثا عن محدودية فرص الوصول إلى الشغل، وهي معطيات استند إليها للمطالبة بتغيير طريقة التعامل مع الملف.
أما ما يتعلق بتحويل المساعدات الإنسانية عن أهدافها الأصلية، فيظل من القضايا التي أثارها الجانب المغربي ومصادر وتقارير سابقة، ويحتاج كل ادعاء بشأنه إلى إثبات ومتابعة من الجهات الدولية المختصة.
المغرب يجدد عرض العودة الطوعية
في قلب المقاربة المغربية يوجد خيار العودة إلى المغرب، الذي تقدمه الرباط بوصفه أحد الحلول الأساسية لإنهاء حالة النزوح الممتدة.
وأكد زنيبر أن المملكة تجدد استعدادها لاستقبال من يرغبون في العودة، مشددا على أن هذا المسار يجب أن يتم دون شروط وعلى أساس طوعي وفردي.
ويحرص المغرب على ربط هذه العودة بمفهوم الكرامة والاختيار الحر، في محاولة لدفع الملف الإنساني إلى خارج الجمود السياسي الذي أحاط به لعقود.
وفي المقابل، شدد المسؤول المغربي على أن المملكة لا تحصر طرحها في العودة، بل تقول إنها مستعدة كذلك لدعم الاندماج في الجزائر أو إعادة التوطين في دول ثالثة بالنسبة إلى من يختارون هذين المسارين.
باحث يرصد تعقيدات تتجاوز البعد الإنساني
يرى محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن تطبيق هذه الحلول يواجه تعقيدات سياسية وتنظيمية متراكمة.
وأوضح أن مخيمات تندوف ليست مجرد فضاءات سكنية، بل ترتبط ببنية سياسية وتنظيمية تطورت خلال عقود، ما يجعل أي تغيير في وضعها مرتبطا كذلك بالمسار السياسي للنزاع.
وبحسب قراءته، فإن الجزائر لا تبدي قبولا بمقاربة تقوم على تفكيك المخيمات، لأنها تعتبر ذلك تغييرا في التوازنات المرتبطة بالملف.
ويظل هذا التوصيف تحليلا صادرا عن الباحث، بينما لم يتضمن المصدر موقفا جزائريا رسميا مباشرا من المقترحات الجديدة التي عرضها المغرب في جنيف.
ويرى عبد الفتاح أن استمرار الوضع الراهن لم يعد يوفر حلا عمليا للسكان، معتبرا أن المرحلة الحالية تتطلب البحث عن خيارات قابلة للتطبيق تنهي حالة الانتظار الممتدة.
احتجاجات وشكاوى مرتبطة بتدبير المساعدات
تحدث الباحث كذلك عن تسجيل احتجاجات واعتصامات داخل المخيمات خلال الأشهر الأخيرة مرتبطة بالظروف الاجتماعية وطريقة توزيع المساعدات.
وقال إن بعض السكان عبروا عن استيائهم من تدبير المساعدات الإنسانية، مشيرا إلى وقوع احتجاجات استهدفت مقرات تابعة للجبهة.
وتبقى هذه الوقائع، كما وردت في المصدر، جزءا من تقييم الباحث، ولم تُرفق بمعطيات مستقلة تفصيلية حول عدد الاحتجاجات أو المشاركين فيها أو نتائجها.
غير أن استمرار الصعوبات الاقتصادية والغذائية يبقى عاملا حاضرا بقوة في النقاش المتعلق بمستقبل المخيمات، خصوصا مع طول أمد الوضع وتراجع اهتمام بعض المانحين بالقضايا الإنسانية الممتدة.
القرار 2797 في خلفية التحرك المغربي
ربط زنيبر المقترح المغربي أيضا بالتطورات السياسية التي عرفها ملف الصحراء، ولا سيما اعتماد مجلس الأمن القرار 2797.
واعتبر المسؤول المغربي أن المرحلة الحالية تسمح بفتح أفق سياسي مختلف عن استمرار الوضع القائم، داعيا إلى استغلال الدينامية الدولية الجديدة في اتجاه حلول عملية.
ويأتي الطرح المغربي في سياق تتمسك فيه الرباط بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الأساس الواقعي لتسوية النزاع، في حين يستمر المسار السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ويرى عبد الفتاح أن التطورات الأخيرة تعكس، من وجهة نظره، تراكما دبلوماسيا لصالح المقاربة المغربية، مع تصاعد التركيز الدولي على الواقعية والاستقرار والتنمية.
المغرب يتحدث عن اهتمام من المانحين
قال زنيبر إن المقاربة التي عرضها المغرب تحظى باهتمام عدد من الدول المانحة، مشيرا إلى أن بعض أبرز المساهمين في ميزانية المفوضية يبدون استعدادا لتمويل حلول تقود إلى إنهاء أوضاع النزوح الممتدة.
ولم يسم المسؤول المغربي هذه الدول أو يحدد قيمة التمويلات التي يمكن أن تخصص لأي من الخيارات الثلاثة.
لكنه دعا المفوضية إلى الاستفادة من هذا الاستعداد، خصوصا في ظل الهدف الأممي الرامي إلى خفض الحالات الممتدة للنزوح إلى النصف بحلول سنة 2035.
ويعتبر المغرب أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يعتمد فقط على استمرار المساعدات، بل على الانتقال تدريجيا نحو برامج تساعد الأشخاص على بناء حياة مستقرة خارج إطار المخيمات.
ملف إنساني مرتبط بتسوية سياسية أوسع
تسعى المقاربة المغربية الجديدة إلى فصل حق الأفراد في اختيار مستقبلهم عن استمرار النزاع السياسي إلى أجل غير محدد، من خلال وضع ثلاثة خيارات أمام سكان المخيمات بدل الإبقاء على وضع واحد.
غير أن تنفيذ هذه الخيارات يظل مرتبطا بتعاون المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والدول المعنية والمانحين، إضافة إلى التعقيدات السياسية المرتبطة بالنزاع نفسه.
وبين العودة الطوعية والاندماج في الجزائر وإعادة التوطين في بلد ثالث، يحاول المغرب نقل النقاش من مجرد تمويل الاحتياجات الإنسانية إلى سؤال أكثر مباشرة: كيف يمكن إنهاء وضع المخيمات بصورة دائمة مع احترام الاختيار الفردي لكل شخص؟
وهو نقاش مرشح لأن يظل حاضرا داخل المؤسسات الأممية خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع استمرار المسار السياسي لقضية الصحراء تحت إشراف الأمم المتحدة.









التعليقات
0 تعليق