في تحول لافت لمساره الإبداعي، أطلق الباحث والمؤرخ المغربي مصطفى حسني إدريسي أولى تجاربه في عالم القصيد، من خلال إصدار ديوان “ثلاثية البحر” عن دار النشر الفرنسية الشهيرة “آرماتان”. يندرج هذا العمل ضمن سلسلة “شعراء القارات الخمس”، وقد اختار الكاتب أن يطرحه في طبعة مزدوجة اللغة، العربية والفرنسية، لضمان وصوله إلى شرائح متنوعة من القراء حول العالم.
تولى الأديب مصطفى عمي كتابة تقديم الديوان، بينما تكفل المترجم نور الدين بوصفيحة بنقل النصوص إلى اللغة الفرنسية، سعياً لاستحضار روح القصائد وضمان تماسكها الإبداعي في ثوبها الجديد. ويشير إدريسي في مقدمة كتابه إلى أن هذا العمل نتاج تأملات عميقة في الذاكرة والذات، حيث تحول البحر من موضوع للدراسة التاريخية إلى ملهم للكتابة الشعرية التي تستنطق الأسئلة الإنسانية الكبرى.
لا يقتصر البحر في هذا المؤلف على كونه عنصراً جغرافياً، بل يتجاوزه ليصبح رمزاً للوجود والهوية والتحولات المستمرة. هذا البعد الفلسفي استرعى انتباه الشاعر والناقد فيليب تانسلان، مدير سلسلة “شعراء القارات الخمس”، الذي نوه في كلمته على غلاف الكتاب بالدمج الفريد بين الرصانة التاريخية والتدفق الشعري، معتبراً إياه إضافة نوعية للمشروع الثقافي الذي تشرف عليه الدار.
يأتي هذا الإصدار ليضيف فصلاً جديداً لمسيرة حافلة للمؤلف، الذي كرس عقوداً من حياته للبحث الأكاديمي، خاصة في مجال ديداكتيك التاريخ بجامعة محمد الخامس، حيث درّس فيها من 1977 إلى 2015. كما بصم إدريسي حضوره كخبير بالمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، وساهم في تأليف مراجع أساسية مثل “تاريخ المغرب: تحيين وتركيب” و”كرونولوجيا تاريخ المغرب”.
يؤكد هذا الانتقال إلى الشعر أن الحدود بين الحقول المعرفية ليست جامدة، إذ استثمر المؤرخ رصيده الفكري الطويل ليصيغ رؤية إبداعية تعتمد الصورة والإيقاع بدلاً من الوثيقة والتحليل. وبذلك، يفتح إدريسي نافذة جديدة أمام القراء لاكتشاف جانب آخر من تجربته، حيث تمتزج صرامة الباحث ببوح الشاعر في عمل أدبي يترقب المهتمون بالشأن الثقافي قراءته وتلقيه.








التعليقات
0 تعليق