تجدد الجدل الإقليمي حول ظاهرة الهجرة غير النظامية في أعقاب الأحداث الأخيرة على الحدود المغربية الإسبانية، حيث برزت محاولات لربط واقع البلدين الجارين في سياق واحد. غير أن التحليل الموضوعي يتجاوز المشاهد العابرة ليغوص في عمق السياسات الأمنية، ومستوى التعاون الدولي، وطريقة تعامل كل دولة مع رعاياها والمهاجرين المقيمين فوق أراضيها.
لم تكن التطورات التي شهدتها مدينة سبتة مجرد واقعة عابرة، بل شكلت ضغطاً أمنياً وإنسانياً لافتاً. وفي الوقت الذي عزت فيه الرباط جزءاً من هذه التدفقات إلى تغيرات في التشريعات القضائية الإسبانية وتأثير الشائعات عبر منصات التواصل، تظل الأرقام الرسمية المغربية شاهدة على مجهودات ميدانية مكثفة؛ إذ جرى إحباط ما يقارب 79 ألف محاولة عبور خلال سنة 2024، و74 ألف محاولة في 2025، مع نشر حوالي 24 ألف عنصر أمني على السواحل الشمالية.
على الضفة الأخرى، تشير بيانات وكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” إلى تحول استراتيجي في مسارات الهجرة، حيث باتت السواحل الجزائرية تمثل منصة الانطلاق الرئيسية. فقد ارتفعت عمليات العبور عبر غرب البحر الأبيض المتوسط بنسبة 27 في المائة خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025، لتصبح القوارب المنطلقة من الجزائر مسؤولة عن 75 في المائة من إجمالي حركة الهجرة على هذا المسار، بعدما كانت حصتها لا تتجاوز 40 في المائة قبل عام واحد.
تتجلى الفجوة بين المقاربتين في طبيعة الالتزامات الدولية؛ فالمغرب، رغم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع جزءاً من شبابه للمخاطرة، اعتمد استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء منذ 2013، وعمل على تفكيك مئات شبكات التهريب وتسهيل العودة الطوعية. بينما يواجه النظام الجزائري انتقادات دولية تتعلق بضعف التعاون في استعادة مواطنيه، وغياب إطار وطني متكامل للجوء، فضلاً عن تقارير أممية رصدت حالات إبعاد قسري لمهاجرين ولاجئين.
ويبقى المؤشر الأكثر دلالة على الأزمة الداخلية في الجزائر هو تزايد رحلات “الحراكة” رغم الموارد الطاقية الضخمة، حيث سجل البنك الدولي نسبة بطالة في صفوف الشباب الجزائري بلغت 29.3 في المائة خلال 2024. هذا الواقع يعكس فشلاً في تحويل الثروة الوطنية إلى فرص للشباب، مما جعل الهجرة بالنسبة للكثيرين منهم الخيار الوحيد للهروب من واقع اقتصادي وسياسي متأزم.
إن المقارنة بين البلدين لا تعني خلو المغرب من التحديات، فالشباب المغربي لا يزال يطمح للهجرة، وهو ما يفرض على المملكة تعميق إصلاحاتها الاجتماعية. إلا أن الفرق الجوهري يكمن في أن الرباط تتعامل مع الظاهرة بشفافية مؤسساتية وتعاون دولي واضح، بينما يختار النظام الجزائري التغطية على أزمته الهيكلية عبر محاولة تصديرها إلى الخارج، متجاهلاً أن الأرقام الأوروبية والتقارير الدولية تكشف بوضوح من يواجه التحدي ومن يساهم في تفاقمه.








التعليقات
0 تعليق