تتجاوز قراءة المشهد الانتخابي المقبل مجرد تحليل موازين القوى التقليدية أو رصد التحالفات الحزبية، لتصطدم بمتغير أكثر تعقيداً يتمثل في حالة التردد والغضب التي باتت تطبع مزاج الناخب، والذي يبدو أقل حماساً لمنح ثقته بالطرق المعهودة.
لقد تجاوز هذا السخط حدود النقاشات الافتراضية ليتجسد في وقائع ميدانية، كما حدث في أحداث سبتة التي عكست فجوة متنامية بين الخطاب المؤسساتي وانتظارات المواطنين، الذين باتوا يفضلون التعبير عن مواقفهم بعيداً عن القنوات الحزبية الكلاسيكية.
ومع اقتراب موعد 23 شتنبر، يطرح مراقبون تساؤلات حول مآلات هذا الاحتقان؛ هل سيتجسد في صورة تصويت عقابي، أم سيفضي إلى عزوف جماعي، أم سيظل مجرد صخب رقمي عابر لا يغير من الخريطة الانتخابية شيئاً.
تكمن المفارقة في أن التفاعل الرقمي المكثف لا يعني بالضرورة إقبالاً على صناديق الاقتراع، إذ قد يكتفي الناخب بانتقاد السياسات دون أن يرى في التصويت أداة ناجعة للتغيير، مما يضع الأحزاب أمام تحدي اللامبالاة السياسية التي قد تكون خصمها الأكبر.
في المقابل، يظل احتمال التصويت العقابي وارداً، حيث قد يلجأ المواطن إلى منح صوته لا عن قناعة ببرنامج سياسي، بل كوسيلة لرفض الوضع القائم وتقييم حصيلة المرحلة السابقة، وهو ما قد يؤدي إلى تعديلات محدودة في موازين القوى دون إحداث تغيير جذري.
ولا ينبغي حصر هذا الاستياء في الفئات الشابة وحدها، فالأزمات المرتبطة بالقدرة الشرائية وفرص العمل والخدمات العامة باتت تشكل هماً جماعياً، مما يجعل الناخب اليوم أكثر تركيزاً على النتائج الملموسة للسياسات العمومية بدلاً من الشعارات الانتخابية الجاهزة.
تجد الأحزاب نفسها أمام اختبار حقيقي للمصداقية، إذ لا تزال تعتمد في تحضيراتها على الأساليب التقليدية من تزكيات وتحالفات، بينما تغيرت أدوات الناخب الذي بات يمتلك القدرة على النقد والمقارنة وصناعة المحتوى السياسي بشكل مستقل.
يبقى السؤال الجوهري مع اقتراب الاقتراع هو مدى قدرة الأحزاب على استيعاب هذا التحول، والانتقال من مخاطبة الناخب ككتلة انتخابية إلى التعامل معه كطرف فاعل ينتظر إجابات واضحة، بعيداً عن حدة الخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
في نهاية المطاف، سيحدد يوم 23 شتنبر ما إذا كان الغضب الشعبي سيغادر فضاءات التواصل الاجتماعي ليتحول إلى سلوك انتخابي ملموس، أم أن الصناديق ستكشف عن خيار آخر يتمثل في معاقبة المشهد السياسي عبر المقاطعة.








التعليقات
0 تعليق