تغوص الكاتبة الأسترالية إيميلي بيتو في روايتها “التائهات”، التي نقلتها إلى العربية المترجمة رغد قاسم وصدرت عن دار الرافدين، في تفكيك مفهوم الأسرة، متجاوزة الصورة النمطية للملاذ الآمن لتقدم نظرة فاحصة حول الكيفية التي يؤدي بها الإهمال العاطفي وغياب التوجيه إلى تحويل المنزل إلى منطلق للضياع.
تتأطر أحداث العمل في أستراليا خلال الفترة الممتدة من الثلاثينيات إلى الستينيات، حيث تتقاطع مسارات طفلتين في الصف الثالث؛ ليلي، القادمة من بيئة متواضعة ومحافظة، وإيفا، ابنة العائلة الثرية التي تنعم بحرية واسعة. ومع انتقال ليلي للعيش في منزل صديقتها، تبدأ ملامح الانبهار بالتحول إلى اكتشاف لتصدعات عميقة داخل هذا الكيان الأسري الذي يبدو في ظاهره مثالياً.
يقود رب الأسرة، الفنان إيفان ترينثام، تجربة اجتماعية فريدة بتحويل منزله إلى مقر لمجموعة فنية، فاتحاً أبوابه لعدد من الفنانين للعيش والعمل في فضاء مشترك، في محاولة للتمرد على القواعد التقليدية. ومع ذلك، سرعان ما تتحول هذه الحرية المفرطة إلى فوضى عاطفية تتداخل فيها العلاقات وتشتعل الغيرة، مما يعجل بانهيار الروابط الأسرية التي كانت تعاني أصلاً من هشاشة داخلية.
يبرز غياب الوالدين كعامل حاسم في مأساة الأبناء؛ فإيفان غارق في فنه وإدمانه ومنعزل عن بناته، بينما تنشغل الأم هيلينا بفرض سيطرتها وتجاهل احتياجات أطفالها العاطفية. هذا المناخ المكتظ بالغرباء والمفتقر للرعاية الحقيقية يدفع البنات، بياتريس وإيفا وهيلواز، نحو دوامة من العلاقات المعقدة والقرارات المتهورة التي تنتهي بقطيعة طويلة الأمد.
تستعرض الرواية تداعيات هذه السنوات عبر ثلاثة عقود من الزمن، حيث تتباعد الصديقتان ليلي وإيفا، وتمر الشخصيات بمراحل عمرية قاسية تطبعها الخيبات والآثار النفسية للماضي. ولا تلتقي الصديقتان مجدداً إلا بعد سنوات طويلة، في لحظة تأملية تدرك فيها ليلي أن الغضب الذي رافقها طويلاً كان نتيجة حتمية لبيئة أسرية لم توفر الحد الأدنى من الأمان.
تخلص الرواية إلى أن التيه ليس دائماً نتيجة اختيار خاطئ، بل قد يكون انعكاساً لعجز الأبوين عن توفير بوصلة عاطفية لأبنائهم. ومن خلال استعادة ذكريات ليلي وإيفا، تؤكد بيتو أن الأسرة التي تفتقر إلى الترابط الداخلي لا يمكنها الصمود أمام العواصف الخارجية، وأن البحث عن الأمان خارج المنزل غالباً ما يكون رحلة محفوفة بمزيد من الضياع.








التعليقات
0 تعليق