تتجدد مع كل استحقاق انتخابي في المغرب حالة من الاستنفار لدى مختلف الفاعلين، حيث تتباين الأهداف والمصالح بين الأحزاب السياسية التي تسعى لضمان مواقعها داخل دواليب الحكم، وبين الدولة التي تضع نصب أعينها تحدي نسبة المشاركة كمعيار أساسي لقياس شرعية المؤسسات المنتخبة. ويُنظر إلى تجاوز عتبة الخمسين في المئة كهدف استراتيجي يعكس انخراط المواطنين في النموذج الدستوري القائم، وهو ما يدفع الأجهزة الرسمية لتسخير إمكانات مالية وإعلامية هامة لحث الناخبين على التوجه إلى صناديق الاقتراع.
وعلى الرغم من انخراط المجتمع المدني في هذه الحملات التعبوية، خاصة تجاه فئة الشباب، إلا أن التساؤلات تظل مطروحة حول جدوى هذه الجهود التي تنحسر فور الإعلان عن النتائج. ويرى مراقبون أن غياب آليات المتابعة والرقابة الشعبية على المنتخبين بعد فوزهم، وتكريس سياسات تضيق على أدوار المجتمع المدني في الترافع عن المال العام، يعمق الهوة بين المواطن والفاعل السياسي، ويغذّي مشاعر العزوف والنفور من العملية الانتخابية برمتها.
ويشير هذا التحليل إلى أن استمرار الحملات التوعوية دون ضمانات فعلية للمحاسبة يجعلها تبدو كمسرحية متكررة لا تنتج تغييراً حقيقياً، بل قد تصب في مصلحة القوى النافذة التي تستفيد من غياب المشاركة الواسعة لضمان استمرار نفوذها. وفي هذا السياق، تصبح الدعوات للمشاركة الانتخابية مجرد محاولة لإضفاء طابع الحركية على مشهد سياسي يراه الكثيرون ثابتاً في جوهره، حيث تتغير الأشكال بينما تظل موازين القوى على حالها.
إن التحدي الحقيقي ليس في مجرد التصويت، بل في تبني عقيدة مشاركة واعية ومؤثرة ترفض السلبية واليأس. فالسياسة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ممارسة تؤثر بشكل مباشر على الحقوق، والمكتسبات، وحتى القيم المجتمعية. وعليه، فإن الخيار الأفضل وفق هذا الطرح يكمن في التصويت بضمير، واعتبار المشاركة أداة لممارسة الرقابة ورفض الانتهازية، بدلاً من ترك الساحة لقرارات قد لا تخدم تطلعات المواطن، مع التأكيد على أن التغيير يبدأ من وعي الفرد بأهمية صوته في تقرير مصيره.








التعليقات
0 تعليق