تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، إلى العاصمة الفرنسية باريس في مرحلة تتسم بتصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة، لا سيما مع استمرار حالة التوتر المرتبطة بالملف الإيراني وتأثيراتها المباشرة على حركة الملاحة العالمية في مضيق هرمز. وبينما تتصدر الملفات الاقتصادية والاستثمارية واجهة اللقاءات التي تجمعه بالرئيس إيمانويل ماكرون، تبرز قضايا الدفاع والطاقة كركائز جوهرية في المباحثات الثنائية.
وأعلن قصر الإليزيه أن الزيارة، المبرمجة يومي 23 و24 أغسطس، ستتضمن توقيع حزمة من الاتفاقيات التي تغطي قطاعات حيوية مثل الصحة والنقل والطاقة، بالإضافة إلى عقد اجتماع وزاري مخصص لبحث سبل تنويع إمدادات الطاقة، وسط طموح فرنسي لجذب تدفقات استثمارية سعودية نحو السوق المحلية.
وتتجاوز أهداف الرياض من هذه الزيارة الجانب الاقتصادي، إذ تسعى المملكة إلى تعزيز منظومتها الدفاعية وتأمين منشآتها النفطية ومساراتها البحرية، في ظل رغبة واضحة في تنويع الشراكات الأمنية وعدم الاكتفاء بالارتهان للموقف الأمريكي. ورغم غياب مؤشرات رسمية حول وجود مفاوضات بشأن مظلة نووية أو تحالف دفاعي ملزم، إلا أن الظروف الإقليمية الراهنة تدفع نحو تعميق التنسيق في مجالات الدفاع الجوي والبحري ومواجهة التهديدات الناشئة كالمسيرات.
وتنظر فرنسا إلى المملكة كفاعل إقليمي محوري وشريك استراتيجي في أمن الخليج، مستندة إلى تاريخ طويل من التعاون العسكري الذي يعود إلى أزمة الحرم المكي عام 1979، وصولاً إلى المشاركة في مناورات “رماح النصر” عام 2026. وتكتسب تصريحات وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، بشأن الاستعداد للمساهمة في أمن السعودية، دلالة سياسية قوية تعكس رغبة باريس في لعب دور أكثر فاعلية في المنطقة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تطور التعاون بين البلدين ليشمل قطاعات التكنولوجيا الحديثة والطاقة المتجددة والهيدروجين، وذلك تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. ومع ذلك، لا تزال الاستثمارات السعودية المباشرة في فرنسا دون مستوى الطموحات مقارنة بدول خليجية أخرى، مما يجعل باريس حريصة على تعزيز هذا الحضور مع مراعاة الضوابط الأمنية للقطاعات الحساسة.
وتعد هذه الزيارة محطة مفصلية في مسار العلاقات التي شهدت زخماً متصاعداً منذ زيارة ماكرون إلى جدة في 2021، ولقاءات القمة في 2022 و2024. ويبقى السؤال حول مدى إمكانية تحول هذا التعاون إلى تفاهم أمني أعمق، وهو ما يظل في الوقت الراهن احتمالاً سياسياً مرهوناً بتطورات الأوضاع الإقليمية، بعيداً عن أي إعلانات رسمية عن تحالف دفاعي متكامل.








التعليقات
0 تعليق