عاد حرف تيفيناغ ليحتل صدارة النقاش العمومي بالمغرب، في ظل تجدد الانتقادات الموجهة لاعتماده في تدريس اللغة الأمازيغية. هذا الجدل دفع عدداً من الفاعلين التربويين إلى الخروج عن صمتهم لتقديم مقاربة تستند إلى الممارسة الميدانية والتجربة المدرسية، بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية التي طبعت سابقاً ما عرف بمعركة الحرف.
تأتي هذه التحركات في ظرفية تشهد تزايداً في الجهود الرامية لتعميم تدريس الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية الوطنية. وفي هذا الصدد، يشدد المدافعون عن تيفيناغ على أن الانشغال بشكل الحرف لا ينبغي أن يطغى على التحديات الجوهرية المتعلقة بجودة التعليم وتوفير الظروف البيداغوجية الملائمة لضمان تعلم فعال للغة.
من منظور تربوي، يرى المتخصصون أن الصورة النمطية حول صعوبة تيفيناغ لا تعكس الواقع داخل الأقسام. ويؤكد هؤلاء أن الأطفال، خاصة في مستوياتهم الأولى، يظهرون قدرة لافتة على استيعاب هذه الحروف بسرعة، وذلك بفضل أشكالها الهندسية البسيطة وسماتها البصرية المباشرة التي تسهل عملية التعرف عليها.
ويشير الخبراء إلى ميزة تقنية يتمتع بها تيفيناغ، وهي ثبات شكل الحرف في جميع مواقع الكلمة، سواء في البداية أو الوسط أو النهاية، ما يجنب المتعلم عناء حفظ أشكال متعددة للحرف الواحد. بالإضافة إلى ذلك، تساهم العلاقة المباشرة بين الكتابة والنطق في تسريع قدرة الطفل على القراءة والكتابة بشكل منهجي وواضح.
كما تظهر التجارب الميدانية أن التلاميذ الذين يبدؤون مسارهم التعليمي دون إلمام مسبق بالأمازيغية، يتمكنون في وقت وجيز من ضبط حروف تيفيناغ وتشكيل مقاطع وكلمات بسيطة. ومع الاستمرار في الممارسة الصفية، يتحول الحرف إلى أداة طبيعية ومألوفة لدى المتعلم، مما يعزز مهاراته اللغوية بشكل تدريجي.
ويرى مهنيو التعليم أن اختزال مستقبل الأمازيغية في جدل الحرف هو هروب من تحديات أكثر إلحاحاً، مثل ضرورة توسيع العرض المدرسي، وتوفير الموارد البشرية المتخصصة، وتطوير المناهج التعليمية. فالمشكلة الحقيقية، بحسب هذا الطرح، تكمن في استمرار التفاوت في تدريس اللغة بين المؤسسات والمستويات التعليمية، وليس في طبيعة الحرف المعتمد.
وفي ظل المكانة الدستورية للأمازيغية، يرى المدافعون عن هذا النظام الكتابي أن عقدين من الممارسة كفيلان بتقييم التجربة بموضوعية. فبدلاً من العودة إلى الاستقطاب، يشدد هؤلاء على أهمية تحويل النقاش نحو كيفية تعزيز حضور الأمازيغية في المدرسة، من خلال برامج مستمرة وموارد بيداغوجية حديثة تحاكي اهتمامات المتعلمين.
ختاماً، يرى الفاعلون التربويون أن المطلوب اليوم هو مراجعة شاملة لعملية التدريس، تشمل تكوين المدرسين وتطوير الوسائط الرقمية والكتب المدرسية، لضمان تعلم حقيقي يتيح للناشئة التمكن من اللغة واستعمالها في حياتهم اليومية، بعيداً عن الانطباعات التي لا تستند إلى الواقع التعليمي.








التعليقات
0 تعليق