تستعد آيسلندا يوم السبت 29 غشت لإجراء استفتاء شعبي يهدف إلى حسم مسألة استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة تمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية لريكيافيك بعد سنوات من الجمود. التصويت المرتقب لن يكون قراراً نهائياً بشأن العضوية، بل استشارة حول فتح باب التفاوض، على أن يتم الرجوع إلى الشعب مرة أخرى عبر استفتاء ثانٍ للمصادقة على أي اتفاق قد يتم التوصل إليه مستقبلاً.
تأتي هذه الخطوة في ظل تغيرات جيوسياسية متسارعة، حيث أعادت الحرب الروسية في أوكرانيا وتصاعد حدة التنافس في منطقة القطب الشمالي وشمال الأطلسي ترتيب أولويات الأمن القومي الآيسلندي. ومع تزايد التساؤلات حول طبيعة الالتزامات الأمنية الأمريكية، تجد ريكيافيك نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم تموضعها الاستراتيجي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الحيوي، رغم أنها تعتمد تقليدياً على التعاون الدفاعي مع الحلفاء منذ انضمامها إلى حلف الناتو عام 1949.
ورغم هذا التوجه، لا يزال ملف العضوية يثير انقساماً داخلياً حاداً، حيث تبرز مخاوف جدية من المساس بالسيادة الوطنية، وتحديداً فيما يخص قطاع الصيد البحري الذي يعد ركيزة اقتصادية ورمزاً سيادياً للبلاد. في المقابل، يرى الداعمون لاستئناف المفاوضات أن الانفتاح على بروكسل قد يوفر مظلة اقتصادية وأمنية أكثر استقراراً، خاصة في ظل تقلبات العملة الوطنية، الكرونة الآيسلندية.
يشار إلى أن آيسلندا ليست غريبة عن المنظومة الأوروبية، فهي عضو فاعل في المنطقة الاقتصادية الأوروبية ومنطقة شنغن، مما يمنحها وصولاً واسعاً للسوق الموحدة. ولا يمثل الاستفتاء الحالي محاولة للخروج من العزلة، بل نقاشاً حول جدوى تحويل اتفاقيات التعاون القائمة إلى عضوية كاملة بكل ما تحمله من التزامات.
يذكر أن ريكيافيك كانت قد تقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2009 عقب أزمة مالية خانقة، حيث أحرزت تقدماً ملموساً في المفاوضات قبل أن تقرر الحكومة تعليق المسار في عام 2013، ثم أبلغت بروكسل رسمياً في 2015 برغبتها في عدم اعتبارها دولة مرشحة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير في وجهات نظر الناخبين، مما يجعل من استفتاء 29 غشت اختباراً حقيقياً لمدى استعداد المجتمع الآيسلندي للموازنة بين الحفاظ على مكتسبات السيادة وبين البحث عن استقرار طويل الأمد في خريطة دولية تتسم بالغموض.








التعليقات
0 تعليق