يُعد الفنان الراحل فريد بلكاهية علامة فارقة في تاريخ التشكيل المغربي، حيث لم تقتصر تجربته على الإبداع البصري فحسب، بل امتدت لتشكل رؤية فلسفية أعادت تعريف الحداثة من منظور محلي يربط الذاكرة بالهوية الثقافية. ومن خلال رحلة تنقلت بين مدارس الفن العالمية، نجح بلكاهية في صياغة لغة فنية مستقلة جعلت من التراث ركيزة أساسية للتجديد.
بدأ بلكاهية مشواره في مرحلة اتسمت بالبحث عن هوية فنية مغربية وسط هيمنة النماذج الغربية. ورغم دراسته في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، إلا أنه سرعان ما أدرك الحاجة إلى التحرر من القوالب الجاهزة، ليتجه لاحقاً إلى براغ لدراسة السينوغرافيا، مما ساهم في صقل رؤيته الجمالية وتعميق اهتمامه بالفنون الإفريقية والعربية والمحلية.
شكلت هذه القناعات منعطفاً جذرياً في مساره حين قرر التخلي عن اللوحة التقليدية لصالح مواد خام كالنحاس والجلد والأصباغ الطبيعية كالحناء. ولم تكن هذه الخطوة مجرد تجريب تقني، بل كانت موقفاً فكرياً يهدف إلى رد الاعتبار للحرف التقليدية، معتبراً إياها حوامل للذاكرة قادرة على التعبير عن الحداثة برؤية نقدية ومبدعة.
تجسد هذا التوجه بوضوح خلال فترة إدارته لمدرسة الدار البيضاء للفنون الجميلة ما بين 1962 و1974، حيث حوّل المؤسسة إلى مختبر فني جمع نخبة من المبدعين مثل محمد المليحي ومحمد شبعة. وساهم هذا التكتل في نقل الفن من قاعات العرض المغلقة إلى الفضاءات العامة، كما هو الحال في ساحة جامع الفنا بمراكش وساحة 16 نونبر بالدار البيضاء، لكسر الحاجز بين الفنان والجمهور.
واجه بلكاهية بجرأة النظرة الاستشراقية التي كانت تختزل الفن المغربي في قوالب فولكلورية ساذجة، مؤكداً أن الفن المحلي يمتلك كل المقومات ليكون حداثياً دون الحاجة لاستنساخ التجارب الأوروبية. لقد كان يؤمن بأن الحداثة الحقيقية تكمن في قدرة الفنان على استنطاق جذوره وتحويلها إلى طاقة إبداعية تتفاعل مع العالم.
ترك الفنان إرثاً لا يزال يثير النقاش حول ماهية الهوية البصرية في المجتمعات ذات العمق التاريخي. فمن خلال مساره الذي بدأ باللوحة وانتهى بتطويع المادة، أثبت بلكاهية أن الفن هو وسيلة لقراءة المجتمع والذاكرة، وأن التجديد لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعني إعادة صياغته ليكون جسراً نحو المستقبل.








التعليقات
0 تعليق