كوثر بوجوال
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في المستشفى الجامعي بمدينة بون الألمانية عن شكل غير معروف سابقا من أمراض الشبكية الوراثية، يتميز بظهور اضطراب في الرؤية الليلية قبل أن تتمكن الفحوصات التقليدية من رصد تلف هيكلي واضح في الشبكية.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة «جاما» الطبية، أن المصابين قد يحتفظون بحدة إبصار طبيعية نسبيا في مركز مجال النظر خلال المراحل المبكرة، بينما تظهر المشكلة بشكل أساسي عند الانتقال من الضوء إلى الظلام، إلى جانب تراجع تدريجي في الرؤية المحيطية أو الجانبية.
ويرتبط المرض، وفق الباحثين، بتغير جيني محدد يحمل الرمز p.Arg140Trp في جين يدعى «EFEMP»، ويؤثر بصورة رئيسية في الأطراف الخارجية للشبكية والخلايا الحساسة للضوء التي تلعب دورا مهما في القدرة على الإبصار عندما تكون الإضاءة ضعيفة.
ضعف الرؤية في الظلام أول علامة
تكمن خصوصية المرض الوراثي المسبب لضعف الرؤية الليلية في أن الأعراض الوظيفية قد تسبق التغيرات التي يستطيع الطبيب رؤيتها خلال الفحوصات المعتادة للشبكية.
ومن أبرز الأعراض التي حددها الباحثون صعوبة الإبصار عند الغسق وفي الأماكن المظلمة، إضافة إلى حاجة العين إلى وقت أطول من المعتاد لاستعادة قدرتها على الرؤية بعد التعرض للضوء.
وقد يبدأ المصاب بملاحظة أنه يحتاج إلى فترة أطول حتى تتضح الأشياء أمامه عند دخوله إلى غرفة مظلمة أو خروجه من مكان شديد الإضاءة، في حين قد تبقى قدرته على رؤية التفاصيل في مركز المجال البصري جيدة نسبيا.
كما يمكن أن يترافق المرض مع تراجع تدريجي في الرؤية المحيطية، أي القدرة على ملاحظة الأشياء الموجودة على جانبي مجال النظر.
الشبكية قد تبدو سليمة في البداية
توصل الباحثون إلى أن الفحوصات التقليدية للعين قد لا تظهر تغيرات واضحة خلال المراحل الأولى.
وهذا ما يجعل تشخيص الحالة أكثر تعقيدا، إذ يمكن أن يعاني الشخص من اضطراب حقيقي في الرؤية الليلية بينما لا تكشف معاينة قاع العين في البداية تلفا هيكليا واضحا يفسر الأعراض.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن اختلال وظيفة الخلايا الحساسة للضوء يسبق ظهور الضرر الهيكلي الذي يمكن رصده بالفحوصات.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأنها تعني أن النظر إلى شكل الشبكية وحده قد لا يكون كافيا لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من أعراض ليلية مستمرة، خاصة إذا كان هناك احتمال لوجود عامل وراثي.
اختبار التكيف مع الظلام كشف الخلل
شملت الدراسة عائلات لا تجمع بينها صلة قرابة، لكنها تحمل التغير الجيني نفسه المسبب للمرض.
واعتمد الفريق العلمي على مجموعة من الفحوص، من بينها التحاليل الوراثية وتصوير الشبكية، بالإضافة إلى اختبارات تقيس قدرة العين على التكيف مع الظلام بعد التعرض للضوء.
وأظهرت النتائج أن حاملي التغير الجيني p.Arg140Trp كانوا أبطأ في استعادة الرؤية في الظلام.
وسجل هذا الاضطراب رغم احتفاظ عدد منهم بحدة إبصار طبيعية وعدم ظهور تغيرات واضحة في قاع العين خلال المراحل المبكرة.
وهذه الملاحظة هي التي سمحت للباحثين بإبراز الفارق بين سلامة المظهر التشريحي للشبكية وبين وجود خلل وظيفي بدأ بالفعل يؤثر في قدرة العين على الرؤية.
الرؤية المركزية تبقى محفوظة نسبيا
وجد الباحثون أن المرض لا يصيب مختلف أجزاء الشبكية بالطريقة نفسها.
فالتأثير يتركز بصورة أكبر في أطراف الشبكية، بينما تظل المنطقة المركزية، المسؤولة بدرجة كبيرة عن رؤية التفاصيل الدقيقة أمام الشخص مباشرة، محفوظة نسبيا.
ويفسر ذلك كيف يمكن لمريض أن يحقق نتائج طبيعية في اختبار حدة الإبصار المعتاد، لكنه يواجه في حياته اليومية مشكلة واضحة عند القيادة أو الحركة في ظروف ضعيفة الإضاءة أو عند الاعتماد على الرؤية الجانبية.
وتختلف هذه الصورة عن أمراض أخرى تؤثر مبكرا في مركز الشبكية وتنعكس مباشرة على القدرة على قراءة التفاصيل أو التعرف على الأشياء الموجودة أمام العين.
تغير واحد في الجين يصنع نمطا مختلفا من المرض
أبرزت الدراسة أن التغير المكتشف يختلف في تأثيره عن تغيرات أخرى معروفة في الجين نفسه.
فبعض التغيرات المرتبطة بهذا الجين معروفة بتسببها في اعتلال يصيب مركز الشبكية، بينما يتركز تأثير الشكل الجديد أساسا في المناطق الطرفية.
وقال الباحث المشارك في الدراسة ماكسيميليان بفاو إن النتائج تظهر أن تغيرات مختلفة في الجين نفسه يمكن أن تؤدي إلى أمراض ذات أنماط متباينة.
وتساعد هذه النتيجة في فهم سبب اختلاف الأعراض بين أشخاص قد تكون لديهم تغيرات مرتبطة بالجين ذاته، وعدم إمكانية التعامل مع جميع هذه التغيرات باعتبارها تنتج الشكل السريري نفسه.
تفسير محتمل لحالات ظلت دون تشخيص
يرى الباحثون أن الاكتشاف قد يساعد في تفسير بعض الحالات التي ظل سبب أعراضها الوراثي مجهولا.
فوجود شخص يعاني من ضعف واضح في الرؤية أثناء الظلام، مقابل فحص شبكية يبدو طبيعيا نسبيا، يمكن أن يجعل الوصول إلى التشخيص أكثر صعوبة.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الجمع بين الفحوص الجينية والاختبارات الوظيفية المتخصصة، مثل قياس التكيف مع الظلام، قد يوفر معلومات لا تظهر في الفحص التقليدي وحده.
لكن الدراسة لا تعني أن كل شخص يعاني من ضعف الرؤية الليلية مصاب بهذا المرض، إذ يمكن لهذه المشكلة أن ترتبط بأسباب متعددة، بينما يتناول البحث شكلا وراثيا محددا مرتبطا بالتغير الجيني الذي درسه الباحثون.
التشخيص المبكر قد يبدأ قبل التلف المرئي
تكمن إحدى أبرز دلالات البحث في إمكانية التعرف على الاضطراب في مرحلة تسبق ظهور التلف البنيوي الواضح في الشبكية.
فالاختبارات الوظيفية بينت أن الخلايا المسؤولة عن الرؤية في الإضاءة الضعيفة بدأت تفقد جزءا من أدائها، رغم عدم ظهور علامات واضحة في بعض الفحوص التشريحية.
ويمنح ذلك الباحثين فهما أدق لتسلسل تطور المرض، إذ يبدو أن الخلل يبدأ على مستوى الوظيفة قبل أن يصبح الضرر مرئيا في بنية الشبكية.
ولا تقدم الدراسة، بحسب المعطيات المنشورة، علاجا جديدا لهذا المرض، وإنما تركز أساسا على توصيفه وتحديد علاماته وربطه بالتغير الجيني المسؤول عنه.
اكتشاف يوسع خريطة أمراض الشبكية الوراثية
تضيف الدراسة نمطا جديدا إلى قائمة أمراض الشبكية المرتبطة بالعوامل الوراثية، وتبرز في الوقت نفسه أهمية عدم الاعتماد على حدة الإبصار المركزية وحدها عند تقييم بعض اضطرابات النظر.
فقد تكون قدرة الشخص على قراءة الأحرف أو رؤية الأشياء أمامه بصورة طبيعية، بينما تكون أجزاء أخرى من النظام البصري قد بدأت تتأثر بالفعل.
ويبرز المرض الوراثي المسبب لضعف الرؤية الليلية المكتشف حديثا نموذجا لهذا الاختلاف؛ إذ يبدأ التأثير في التكيف مع الظلام والرؤية الطرفية، فيما تبقى المنطقة المركزية للشبكية محفوظة نسبيا في البداية.
وتفتح النتائج المجال أمام تفسير أدق لبعض الحالات غير المشخصة وراثيا، كما توفر للباحثين صورة أوضح عن الطريقة التي يمكن بها لتغيرات مختلفة داخل الجين نفسه أن تنتج أمراضا متفاوتة في موقعها وأعراضها ومسار ظهورها.









التعليقات
0 تعليق