ياسر الرقاص
في لحظة صمت وطني مشبع بالذاكرة الثقيلة، توقفت أمريكا يوم الجمعة لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات الإرهابية الأكثر دموية على أراضيها، مستحضرة أرواح قرابة 3000 ضحية سقطوا في صبيحة ذلك اليوم من عام 2001.
وتوزعت مراسم الاستذكار بين المواقع الثلاثة التي شكلت مسرحا للمأساة؛ حيث اصطدمت الطائرات المدنية المختطفة ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومقر وزارة الدفاع (البنتاغون)، وحقل شانكسفيل بولاية بنسلفانيا، في أحداث غيرت وجه التاريخ المعاصر.
ولا تقتصر الذكرى هذا العام على البعد الرثائي وتلاوة أسماء المفقودين تزامنا مع التوقيت الدقيق لاصطدام الطائرات، بل تتجاوزه نحو نقاش مجتمعي ومؤسساتي عميق حول ارتدادات 11 سبتمبر التي ما تزال مستمرة بعد مرور ربع قرن.
فالمجتمع الأمريكي يجد نفسه اليوم أمام جرد حساب لتبعات مرحلة أعادت صياغة مفهوم الأمن القومي من الصفر، وأفرزت تحولات داخلية غير مسبوقة تمثلت في إقرار تشريعات رقابية صارمة مثل “قانون باتريوت”، وتأسيس وزارة الأمن الداخلي التي باتت واحدة من أضخم المؤسسات الفيدرالية في البلاد.
وعلى المستوى الخارجي، شكلت تلك الهجمات نقطة الانطلاق لما عُرف بـ”الحرب العالمية على الإرهاب”، وهو المسار الذي قلب التوازنات الجيوسياسية ودفع بواشنطن نحو تدخلات عسكرية واسعة في أفغانستان والشرق الأوسط.
واليوم، وبعد طي صفحة التواجد العسكري المباشر في كابول، لا تزال صناعة القرار الأمريكي متأثرة بالعقيدة الأمنية التي تشكلت صبيحة ذلك الثلاثاء.
إن الوقوف عند محطة 25 عاما لا يمثل مجرد استذكار لحدث انقضى، بل هو اعتراف صريح بأن الدخان الذي تصاعد من “المنطقة صفر” قد تبدد ماديا، لكن شظاياه السياسية والأمنية والاقتصادية ما زالت ترسم حدود السياسة الأمريكية، وتفرض على أجيال جديدة التعامل مع عالم وُلد من رحم تلك الصدمة.








التعليقات
0 تعليق