إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مجتمع

وزارة التعليم تشدد المحاسبة وتضع رؤساء الشعب أمام مسؤولياتهم

19:01 · 11/09/2026

هجر إمغري

تستعد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار لاستكمال تنزيل عدد من المقتضيات الجديدة المرتبطة بإصلاح منظومة التعليم العالي، بعدما بلغت عملية إعداد النصوص التطبيقية الخاصة بالقانون رقم 59.24 مراحل متقدمة، في وقت يواصل فيه القطاع الاشتغال على باقي النصوص المرتبطة بالبحث العلمي والابتكار والتعليم العالي الخاص.

وأفادت المعطيات المتوفرة بأن الجزء الأكبر من النصوص التنظيمية المرتبطة بالجامعات العمومية بات جاهزا، بينما توجد نسبة مهمة منها لدى الأمانة العامة للحكومة في انتظار استكمال المسار القانوني والإجرائي الخاص بها. ويأتي ذلك في سياق تسعى فيه الوزارة إلى إخراج أكبر عدد ممكن من النصوص المنظمة للقطاع قبل نهاية الولاية الحكومية، مع إمكانية برمجة النصوص المتبقية في المرحلة المقبلة، انسجاما مع مبدأ استمرارية الإدارة والمرفق العمومي.

وفي هذا السياق، يبرز موضوع رؤساء الشعب داخل الجامعات باعتباره واحدا من أكثر الملفات التي أثارت نقاشا بين مختلف الفاعلين في قطاع التعليم العالي، خصوصا بعد دخول مقتضيات جديدة تنظم طريقة التعامل مع حالات الإخلال بالمهام المنوطة بهذه المسؤولية الأكاديمية.

وتنص القواعد الجديدة على إمكانية إعفاء رئيس الشعبة في حال ثبت امتناعه عن أداء المهام الموكولة إليه أو ارتكابه إخلالا جسيما بها، غير أن هذا الإجراء لا يتم بصورة مباشرة أو تلقائية، بل يمر عبر مسطرة محددة تبدأ بتوجيه إعذار كتابي معلل من طرف رئيس المؤسسة.

وتمنح هذه المسطرة رئيس الشعبة المعني فرصة لتقديم توضيحاته والرد على الأفعال أو التقصيرات المنسوبة إليه، حيث يتعين عليه تقديم مذكرة كتابية تتضمن مبرراته داخل أجل محدد. وبعد دراسة هذه المبررات، يمكن لرئيس المؤسسة، إذا اعتبرها غير كافية، رفع تقرير معلل إلى رئيس الجامعة لاتخاذ القرار المناسب.

كما تفرض المقتضيات الجديدة عرض التقرير على لجنة مختصة بالشؤون القانونية والمؤسساتية والأخلاقيات، من أجل إبداء رأي معلل بشأن الوضعية، قبل أن يتخذ رئيس الجامعة قراره النهائي في ضوء الرأي الصادر عن اللجنة. وبذلك، تسعى المنظومة الجديدة إلى إقرار مسار مؤسساتي يوازن بين مسؤولية رئيس الشعبة من جهة، وضمان حقه في تقديم مبرراته والدفاع عن موقفه من جهة أخرى.

ويعكس هذا التنظيم توجها نحو إعادة ترتيب العلاقة بين المسؤوليات الأكاديمية وآليات المحاسبة داخل المؤسسات الجامعية، إذ لم تعد رئاسة الشعبة مرتبطة فقط بالانتخاب وتدبير الشؤون البيداغوجية، بل أصبحت أيضا مسؤولية تترتب عنها واجبات واضحة ينبغي الالتزام بها وفق القواعد المنظمة للعمل الجامعي.

وتقوم فلسفة هذه المقتضيات على اعتبار أن تولي مسؤولية أكاديمية داخل الجامعة لا يمنح صاحبها حصانة من المساءلة، بل يرفع من مستوى الالتزامات المرتبطة بها. فالمسؤول الذي يتولى تدبير شعبة جامعية يصبح مطالبا بتنظيم عملها، والتنسيق مع مختلف مكوناتها، والمساهمة في معالجة الإشكالات التي يمكن أن تظهر بين الأساتذة، فضلا عن التعاون مع إدارة المؤسسة في إطار من الاحترام المتبادل والاستقلالية الأكاديمية.

وفي المقابل، تثير هذه المقتضيات نقاشا حول الحدود الفاصلة بين السلطة الإدارية والمسؤولية البيداغوجية، خصوصا أن رئيس الشعبة يظل في الأصل أستاذا جامعيا يمارس مسؤولية أكاديمية محددة، ولا يتحول بمجرد انتخابه إلى مسؤول إداري بالمعنى الكامل للكلمة. ولذلك تركز القواعد الجديدة على تنظيم هذه المسؤولية بدل تحويلها إلى موقع إداري مستقل داخل الجامعة.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الشعب الجامعية ودورها في تدبير المسارات البيداغوجية، إذ تشكل فضاء أساسيا لتنسيق العمل بين الأساتذة وتنظيم عدد من الجوانب المرتبطة بالتكوين والتدريس والبرامج الجامعية. ومن ثم، فإن أي اختلال في تدبيرها يمكن أن ينعكس على السير العادي للعمل الأكاديمي وعلى مصالح الطلبة والأساتذة على حد سواء.

وفي الوقت نفسه، ترفض الوزارة التعامل مع المسؤولية الأكاديمية باعتبارها مجالا يمنح صاحبه صلاحيات مفتوحة تجاه باقي أعضاء الشعبة، مؤكدة أن ممارسة المسؤولية ينبغي أن تظل مرتبطة بالقانون وبالقواعد التي تحدد طبيعة الاختصاصات وحدودها. ويعني ذلك أن رئيس الشعبة مطالب بممارسة دوره في إطار التعاون والتنسيق، وليس باعتباره سلطة أعلى من باقي الأساتذة.

ويأتي هذا التوجه في إطار أوسع يرمي إلى تعزيز الحكامة داخل الجامعات وربط المسؤوليات بالنتائج والالتزامات، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها قطاع التعليم العالي والحاجة إلى تطوير آليات تدبير المؤسسات الجامعية بشكل أكثر وضوحا وفعالية.

ومن جهة أخرى، ارتبطت المقتضيات الجديدة بجدل داخل الأوساط الجامعية حول مدى قبولها، خاصة في ما يتعلق بإمكانية إعفاء رؤساء الشعب المنتخبين. ويرى الرافضون لهذه المقتضيات أن الانتخاب ينبغي أن يوفر ضمانات أكبر لاستقلال المسؤول الأكاديمي، بينما تعتبر الجهة المدافعة عن التنظيم الجديد أن الانتخاب لا يمكن أن يلغي مبدأ المحاسبة أو يعفي المسؤول من أداء المهام التي قبل تحملها.

وبحسب التصور الجديد، فإن المسؤولية الانتخابية لا تعني الحماية من المساءلة، وإنما تمنح صاحبها شرعية لممارسة المهام المحددة له قانونا، مقابل الالتزام بالواجبات المرتبطة بها. وفي حال عدم القيام بهذه المهام، تصبح آليات المحاسبة ضرورية لضمان استمرار المرفق الجامعي في أداء وظائفه.

ويزداد النقاش حدة مع بروز تلويحات بمقاطعة انتخابات رؤساء الشعب في بعض الأوساط الجامعية، في اعتراض على المقتضيات المنظمة لهذه المسؤولية. غير أن التوجه الرسمي يعتبر أن القواعد الجديدة أصبحت جزءا من الإطار التنظيمي المعتمد، وأن النقاش بشأنها ينبغي أن يمر عبر القنوات المؤسساتية المخصصة لذلك، بما يضمن استمرار الحوار بين الوزارة وممثلي العاملين في القطاع.

وتشير هذه التطورات في مجملها إلى أن ورش إصلاح التعليم العالي لا يرتبط فقط بإعادة صياغة القوانين الكبرى، وإنما يمتد أيضا إلى التفاصيل التنظيمية التي تحدد كيفية ممارسة المسؤوليات داخل الجامعة. فنجاح أي إصلاح تشريعي يبقى مرتبطا بمدى وضوح النصوص التطبيقية وقدرتها على ضبط الاختصاصات وتحديد المسؤوليات ومنع تضارب الصلاحيات.

وفي انتظار استكمال باقي النصوص التنظيمية، يبدو أن ملف رؤساء الشعب سيظل حاضرا في النقاش الجامعي، خصوصا مع اقتراب تطبيق المقتضيات الجديدة على أرض الواقع. وبين المطالبة بضمان استقلالية المسؤوليات الأكاديمية، والتشديد على ضرورة المحاسبة وربط المسؤولية بالأداء، يتجه القطاع نحو مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز هو محاولة تحقيق توازن بين استقلال الجامعة وفعالية الحكامة داخل مؤسسات التعليم العالي.

ويطرح هذا المسار في النهاية سؤالا أوسع حول مستقبل تدبير الجامعات المغربية، ومدى قدرة الإصلاحات القانونية الجديدة على معالجة الاختلالات التي تظهر في الممارسة اليومية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على طبيعة الجامعة كمجال أكاديمي يقوم على الحوار والتعدد والاستقلالية والمسؤولية المشتركة. ومن المنتظر أن تكشف المرحلة المقبلة مدى فعالية هذه المقتضيات في تنظيم عمل الشعب الجامعية، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم تحول مواقع المسؤولية الأكاديمية إلى مصدر للصراع أو تضارب الصلاحيات.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.