عززت دار أبي رقراق للطباعة والنشر مكتبتها بإصدار جديد بعنوان “يهود السلطان تحت سماء شيوعية”، وهو ترجمة عربية لعمل بحثي وضعته الباحثة الأمريكية ألما راشيل هيكمان، ونقله إلى العربية الأكاديمي المغربي خالد بن الصغير، ضمن سلسلة تعنى بتاريخ المغرب ومحيطه المتوسطي. يطرح هذا المؤلف مقاربة تاريخية مغايرة، تسلط الضوء على أدوار سياسية لليهود المغاربة ظلت مغيبة عن النقاش العام لسنوات طويلة.
تستند هذه الدراسة إلى رحلة بحثية بدأت عام 2009، حين انطلقت الباحثة الأمريكية من اهتمامها بالتراث اليهودي المغربي خلال فترة إقامتها في الدار البيضاء، حيث قادها العمل داخل متحف التراث اليهودي إلى اكتشاف شخصية سيمون ليفي. ومن خلال هذا اللقاء مع الأرشيف، تبلورت لدى هيكمان تساؤلات جوهرية حول حقيقة انخراط اليهود في المقاومة ضد الاستعمار، مما دفعها إلى تتبع مسارات سياسية لم يسبق توثيقها بشكل كافٍ في المراجع التاريخية.
يقدم الكتاب تفنيداً للصورة النمطية التي تحصر تاريخ اليهود المغاربة في الهجرة أو الصراع الإقليمي، مؤكداً أن قطاعاً منهم اختار البقاء في البلاد بعد الاستقلال والمساهمة في بناء الدولة الوطنية. وتعتبر المؤلفة أن التيار الشيوعي وفر لهؤلاء فضاءً نضالياً يتجاوز الانتماءات الدينية والعرقيات، مرتكزاً على مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة، وهو ما جعله حاضنة سياسية لعدد من الفاعلين في تلك الحقبة.
تتخذ الدراسة من تجارب خمس شخصيات نموذجاً لهذا المسار السياسي، وهم ليون رينيه سلطان، وإدمون عمران المالح، وأبراهام سرفاتي، وسيمون ليفي، وسيون أسيدون. وتهدف هيكمان من خلال استعراض هذه السير إلى إبراز التنوع الكبير في المواقف السياسية لليهود المغاربة، نافية بذلك وجود كتلة متجانسة في الآراء، ومشددة على أنهم كانوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني بتعدد توجهاته.
اعتمدت الباحثة في إنجاز هذا العمل على قاعدة وثائقية ضخمة جمعتها من مراكز أرشيفية دولية في المغرب، فرنسا، إسبانيا، إسرائيل، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة. كما استعانت بوثائق مكتوبة بلغات متعددة، مع إيلاء أهمية قصوى للأرشيف الشخصي لسيمون ليفي الذي كشف عن وثائق داخلية للحزب الشيوعي المغربي، مما أضفى طابعاً توثيقياً وعلمياً دقيقاً على الكتاب.
تتطلع هيكمان في مشاريعها المستقبلية إلى توسيع نطاق البحث ليشمل دراسة التعاون بين اليهود والمسلمين في التنظيمات المناهضة للفاشية خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين. ويشكل صدور هذا الكتاب في نسخته العربية خطوة نحو إثراء الذاكرة الوطنية، ودعوة لمراجعة الأحكام المسبقة حول مساهمة مختلف مكونات المجتمع المغربي في مسارات التحرر وبناء الاستقلال.








التعليقات
0 تعليق