تثير حصيلة “مليون ونصف المليون شهيد” التي ارتبطت تاريخياً بحرب التحرير الجزائرية تساؤلات بحثية عميقة حول دقة الأرقام في السرديات الوطنية، حيث تحول هذا الرقم بمرور العقود إلى عقيدة راسخة في الوعي الجمعي، رغم تباين المعطيات الإحصائية والأرشيفية التي تضع هذه الحصيلة تحت مجهر النقد التاريخي والتحليل الديموغرافي.
تشير البيانات السكانية الموثقة إلى أن الإحصاء الذي أجرته الإدارة الفرنسية في أكتوبر 1954، قبيل اندلاع الثورة، حدد عدد الجزائريين المسلمين بنحو 8.5 إلى 8.7 مليون نسمة. وعند إجراء أول إحصاء وطني بعد الاستقلال عام 1966، بلغ عدد السكان 11.8 مليون نسمة. ويرى باحثون ومؤرخون، من بينهم شارل روبير أجيرون ومحمد حربي، أن الفجوة الديموغرافية والنمو الطبيعي للسكان لا يتسقان مع فرضية فقدان مليون ونصف المليون إنسان، مؤكدين أن الخسائر البشرية المباشرة تتراوح واقعياً بين 250 ألفاً و400 ألف ضحية.
وتعزز السجلات الإدارية لوزارة المجاهدين الجزائرية هذه القراءة، حيث لم يتجاوز عدد الملفات التي قُدمت للحصول على تعويضات أو معاشات كذوي حقوق للشهداء سقف 300 ألف ملف. هذا الفراغ الأرشيفي في قوائم الأسماء يطرح استفهامات حول مصير المليون ومائتي ألف ضحية المتبقين، وما إذا كان غيابهم عن سجلات التعويض يعود لأسباب إدارية أو لكون الرقم جزءاً من سياق دعائي سياسي.
وتشير تحليلات تاريخية إلى أن جذور هذا التضخيم تعود إلى أواخر الخمسينيات، حيث سعت آلة الدعاية الناصرية عبر إذاعة “صوت العرب” إلى صياغة سردية قومية تخدم طموحات جمال عبد الناصر الإقليمية. وبحسب متابعين، جرى تبني هذا الرقم وتصعيده إعلامياً لتعزيز الشرعية الثورية وتعبئة الجماهير، قبل أن تستثمر النخب الحاكمة في الجزائر لاحقاً هذا الرقم كأداة لترسيخ شرعية النظام وتبرير احتكار السلطة وإقصاء المعارضة تحت شعار التضحيات الجسام.
ويرى مراقبون أن استخدام هذا الرقم في الخطاب السياسي الجزائري بعد الاستقلال كان يهدف إلى فرض “وصاية” على التعددية السياسية، حيث تم تصوير الدولة ككيان دفع ثمناً باهظاً لا يسمح بالانخراط في تجارب ديمقراطية قد تهدد الوحدة الوطنية. ومع انهيار مشاريع القومية العربية بعد هزيمة 1967، استمرت الجزائر في تبني الرقم كأداة وظيفية داخلية بعيداً عن أهدافه الأصلية.
ولا يقلل هذا التفكيك التاريخي من فظاعة الجرائم الاستعمارية أو حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري، والتي تظل موثقة في سياقها الحقيقي. إن الهدف من هذه المراجعات هو الفصل بين دماء الضحايا التي روت الأرض وبين التوظيف السياسي الذي حول رقم الضحايا إلى رمز دعائي استُخدم لتكريس أنظمة حكم تعاقبت على السلطة بعيداً عن الاستحقاقات الديمقراطية.








التعليقات
0 تعليق