كشف التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي، الذي تضمن نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الجزائر والمختتمة في 11 شتنبر 2026، عن تباين واضح في الأداء الاقتصادي للبلاد؛ فبينما يواصل الاقتصاد تحقيق نسب نمو مقبولة، تشير المؤشرات المالية والنقدية إلى اختلالات هيكلية تتطلب معالجة عاجلة لضمان استقرار المدى المتوسط.
وتشير تقديرات المؤسسة المالية الدولية إلى أن الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي سينمو بنسبة 3.9 في المائة خلال سنة 2025، على أن ينخفض إلى 3.8 في المائة في 2026، ثم يتراجع تدريجياً ليصل إلى نحو 3 في المائة بحلول سنة 2027 وما بعدها. اللافت في هذه الأرقام هو الدور الذي يلعبه القطاع غير الهيدروكربوني، الذي سجل نمواً بـ 4.3 في المائة في 2025، مما يعكس جهوداً جارية لتنويع القاعدة الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد الحصري على النفط والغاز.
رغم هذا النمو، يشدد خبراء الصندوق على أن التحدي الحقيقي يكمن في استدامة هذا المسار، خاصة في ظل عجز الميزانية الذي بلغ 10.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025. ومن المتوقع أن يظل هذا العجز مرتفعاً في السنوات المقبلة، مما يضغط على هوامش الأمان المالي للجزائر ويجعل المالية العامة رهينة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
وفيما يتعلق بالدين العمومي، تشير التوقعات إلى مسار تصاعدي مقلق، حيث يُنتظر أن يرتفع من 52.1 في المائة في 2025 ليصل إلى 79 في المائة بحلول سنة 2031. هذا التراكم في المديونية يثير تساؤلات حول جدوى الإنفاق العام، خاصة مع تزايد الاعتماد على التمويل النقدي من البنك المركزي، الذي قد يؤثر على استقرار الأسعار ومصداقية السياسة النقدية.
وعلى الصعيد الخارجي، يتوقع التقرير تراجعاً مستمراً في احتياطيات العملة الصعبة، من 51 مليار دولار في 2025 إلى أقل من 20 مليار دولار بحلول 2031، مما يقلص قدرة البلاد على تغطية الواردات. ويرى الصندوق أن هذا التدهور في الحساب الجاري يستوجب إصلاحات هيكلية أعمق، تشمل تحسين مناخ الأعمال وتعزيز دور القطاع الخاص بدلاً من الاعتماد على سياسات إحلال الواردات التي قد لا تكون كافية بمفردها لبناء صناعة تنافسية.
ختاماً، يخلص التقرير إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات حالياً يمثل فرصة استراتيجية للجزائر لإعادة ترتيب أوراقها المالية وبناء احتياطيات وقائية. إلا أن هذه الفرصة تظل مشروطة بمدى قدرة الدولة على ضبط النفقات العمومية، والحد من العجز، وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية التي تضمن تحويل النمو الحالي إلى وضع مالي صامد أمام الصدمات الخارجية المستقبلية.








التعليقات
0 تعليق