إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

مغربيان يفتحان أبواب فلسفة المسرح أمام القارئ العربي

نُشر في

هجر إمغري

يفتح باحثان مغربيان نافذة جديدة أمام القارئ العربي على عالم المسرح والفكر الفلسفي، من خلال ترجمة كتاب يتناول العلاقة المركبة بين الخشبة والأسئلة الفكرية والجمالية التي رافقت الفن المسرحي عبر تجاربه المختلفة. ويأتي هذا الإصدار ليضع بين يدي المهتمين بالثقافة والمسرح نصوصا تنطلق من التجربة المسرحية لتصل إلى قضايا أوسع ترتبط بالإنسان والمجتمع والفكر والجمال.

ويحمل الكتاب الجديد عنوان “في فلسفة المسرح: حوارات ومواقف على هامش مهرجان أفينيون”، وقد تولى ترجمته الباحثان المغربيان يوسف أمفزع وسعيد كريمي، ليشكلا من خلال هذا العمل جسرا بين الفكر المسرحي الفرنسي والقارئ العربي. كما يكتسب الإصدار أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النصوص التي يضمها، والتي تضع المسرح في قلب نقاش فكري يتجاوز حدود العرض والفرجة نحو البحث في وظيفة الفن ومكانته داخل المجتمع.

ويضم الكتاب نصين أصليين لكاتبين فرنسيين بارزين، هما الفيلسوف ألان باديو والمفكر ريجيس دوبري، حيث يقدم كل واحد منهما تصورا خاصا للعلاقة التي تجمع المسرح بالفكر. ويمنح هذا التنوع القارئ فرصة للتعرف على مقاربتين مختلفتين تنطلقان من المسرح، لكنهما تلتقيان في محاولة فهم موقعه ضمن التحولات التي يعرفها الإنسان والمجتمع والفن.

ويقدم نص “امتداح المسرح” للفيلسوف ألان باديو مساحة للتفكير في المسرح باعتباره أكثر من مجرد ممارسة فنية قائمة على العرض أمام الجمهور. فالمسرح، وفق هذه الرؤية، يرتبط بإنتاج الأسئلة وبناء المعنى، كما يسمح بطرح قضايا تتصل بالوجود الإنساني وبالعلاقة بين الفرد والآخر وبالمجتمع الذي يحتضن التجربة الفنية.

وفي السياق ذاته، يفتح نص “على جسر أفينيون” لريجيس دوبري زاوية أخرى للتأمل في المسرح، من خلال استحضار أجواء مهرجان أفينيون وما يمثله من تجربة ثقافية وفنية ذات حضور واسع. ويمنح هذا النص القارئ فرصة للنظر إلى المسرح من موقع يتقاطع فيه الفن مع التاريخ والفكر والفضاء العام، بما يجعل التجربة المسرحية جزءا من حوار ثقافي يتجاوز حدود الخشبة.

ويعيد هذا العمل المترجم، بذلك، التأكيد على أن المسرح لم يكن في مختلف مراحله مجرد وسيلة للترفيه أو الفرجة، بل ظل فضاء حيا لطرح الأسئلة الكبرى. فمن خلال الممثل والمخرج والنص والجمهور، تتحول الخشبة إلى مجال للتفكير في قضايا الإنسان والحرية والجمال والواقع والتحولات الاجتماعية، وهو ما يجعل الصلة بين المسرح والفلسفة أكثر عمقا مما قد يبدو للوهلة الأولى.

ويكتسب حضور الفلسفة داخل المسرح أهمية إضافية عندما يتعلق الأمر بالتجارب المعاصرة، التي أصبحت تبحث باستمرار عن أشكال جديدة للتعبير وعن طرق مختلفة لمخاطبة الجمهور. ولذلك، فإن الأسئلة التي تطرحها العروض المسرحية الحديثة لا تنفصل عن التحولات الفكرية والاجتماعية التي يعرفها العالم، بل تتفاعل معها وتعيد صياغتها بلغة فنية قادرة على إثارة النقاش.

ويبرز سعيد كريمي، من خلال تقديمه لهذا العمل، أن العلاقة بين المسرح والفلسفة تقوم في جانب مهم منها على التفاعل بين البعد الجمالي والبعد الفكري. فالكثير من الأسئلة الفلسفية قد تبدأ من ملاحظات بسيطة أو من تفاصيل تبدو عادية، لكنها تتحول داخل التجربة المسرحية إلى قضايا مفتوحة على التأويل، وهو ما يمنح العرض قدرة على مخاطبة العقل والخيال في الوقت نفسه.

ويكشف هذا التداخل كذلك عن طبيعة المسرح باعتباره فنا قادرا على تحويل الواقع إلى سؤال. فعندما تقدم الخشبة تجربة انسانية أو اجتماعية معينة، فإنها لا تكتفي بعرضها كما هي، بل تمنح الجمهور فرصة لإعادة النظر فيها، وطرح تساؤلات حول أسبابها ونتائجها ومعانيها. ومن هنا يصبح المسرح مساحة مشتركة بين المبدع والمتلقي، حيث لا تنتهي التجربة بانتهاء العرض، وإنما تستمر من خلال النقاش والتأمل.

وتزداد قيمة هذا الإصدار في ظل الحاجة المتواصلة إلى نقل الإنتاج الفكري والمسرحي العالمي إلى اللغة العربية، خصوصا أن عددا من النصوص الفلسفية والمسرحية لا يصل بسهولة إلى الباحثين والطلبة والممارسين في المجال الثقافي. لذلك، تؤدي الترجمة دورا يتجاوز نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، لتصبح وسيلة لنقل المفاهيم والتجارب وفتح مسارات جديدة للحوار بين الثقافات.

ويتيح الكتاب، من هذه الزاوية، للباحثين والمسرحيين العرب الاقتراب من أفكار وتجارب تنتمي إلى سياق ثقافي مختلف، ثم مقارنتها بما تعرفه الساحة المسرحية العربية من تحولات وأسئلة. كما يمكن أن يشكل مادة مفيدة للمهتمين بالدراسات المسرحية والفلسفية، بالنظر إلى الجمع بين النصوص الفكرية والتجربة المرتبطة بأحد أبرز المهرجانات المسرحية الدولية.

ويتزامن صدور الكتاب مع اختتام فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، الذي احتضنته العاصمة المصرية خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى ثامن شتنبر الجاري. وقد شكل المهرجان مناسبة للقاء عدد من المسرحيين والفنانين والباحثين، وتبادل الرؤى حول مسارات المسرح المعاصر والبحث عن أشكال جديدة للتعبير فوق الخشبة.

وشهدت التظاهرة، إلى جانب العروض المسرحية، مجموعة من اللقاءات الفكرية والنقاشات والورشات التدريبية والفعاليات الموازية، بما يعكس اتساع مفهوم المهرجان المسرحي الحديث. فلم تعد مثل هذه التظاهرات تقتصر على تقديم عروض أمام الجمهور، وإنما أصبحت فضاءات للنقاش والتكوين وتبادل التجارب والبحث في مستقبل المسرح وأساليبه الجديدة.

ويأتي حضور كتاب “في فلسفة المسرح” ضمن هذا السياق ليمنح المناسبة بعدا فكريا إضافيا، خاصة أن المسرح التجريبي يقوم في جزء كبير منه على تجاوز القوالب التقليدية والبحث عن إمكانات جديدة في الكتابة والأداء والإخراج والتفاعل مع الجمهور. ومن ثم، فإن التفكير في فلسفة المسرح يصبح مرتبطا بشكل مباشر بالسؤال حول حدود التجريب وما يمكن أن يقدمه الفن عندما يتحرر من الأنماط المعتادة.

ويؤكد الإصدار، في النهاية، أن الترجمة يمكن أن تلعب دورا محوريا في إثراء الحياة الثقافية العربية، لأنها تسمح للأفكار بالانتقال بين اللغات والمجتمعات، وتمنح القارئ فرصة الاطلاع على تجارب فكرية وفنية ربما ظلت بعيدة عن متناول الجمهور. كما يبرز العمل قدرة الباحثين والمترجمين المغاربة على المساهمة في نقل الإنتاج الثقافي العالمي إلى العربية، وإغناء النقاش حول قضايا المسرح والفلسفة والفن.

وبين الخشبة والكتاب، وبين العرض والسؤال، تواصل فلسفة المسرح حضورها باعتبارها مجالا مفتوحا للتفكير في الإنسان والجمال والمجتمع. ومن خلال هذا الإصدار، يجد القارئ العربي نفسه أمام تجربة لا تكتفي بتقديم نصوص مترجمة، بل تدعوه إلى إعادة النظر في المسرح باعتباره فعلا ثقافيا وفكريا قادرا على طرح الأسئلة وصناعة النقاش وإعادة اكتشاف علاقتنا بالفن والواقع.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.