إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

بركان واحد قلب مناخ العالم.. قصة سامالاس والمجاعة التي غيرت وجه القرن الثالث عشر

09:08 · 11/09/2026

ياسر الرقاص

فجر بركان سامالاس، في صيف عام 1257، واحدة من أعنف الثورات البركانية التي عرفها تاريخ الأرض، وقذف كميات هائلة من الرماد والغازات إلى الغلاف الجوي فوق جزيرة لومبوك الإندونيسية. ورفع الانفجار المواد البركانية إلى طبقات شاهقة من الغلاف الجوي، قبل أن تبدأ آثار الكارثة في الانتشار بعيدا عن موطنها الأصلي.

وأطلق البركان كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكبريت، فتحول الغاز في الغلاف الجوي إلى جسيمات كبريتات عكست جزءا من أشعة الشمس، وخفضت كمية الإشعاع التي وصلت إلى سطح الأرض.

 وأحدثت هذه العملية اضطرابا مناخيا امتد تأثيره إلى مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي خلال السنوات التالية، لكن كيف انتقل انفجار وقع في جزيرة إندونيسية إلى موائد الأوروبيين، وأصبح عاملا في أزمات غذائية ضربت مناطق بعيدة؟

تجيب طبقات الجليد وحلقات الأشجار والسجلات التاريخية عن جانب من القصة. فقد سجلت مناطق مختلفة من نصف الكرة الشمالي انخفاضا غير معتاد في درجات الحرارة بعد الثوران، بينما وثقت مصادر تاريخية أوروبية أمطارا غزيرة وفيضانات وفصول صيف باردة واضطرابا في المواسم الزراعية.

وأثرت هذه التحولات في المحاصيل التي اعتمدت عليها المجتمعات آنذاك لتأمين غذائها. وضربت اضطرابات الطقس الإنتاج الزراعي، ورفعت الضغط على مخزونات الحبوب، ودفعت أسعار الغذاء إلى الارتفاع في مناطق عدة.

من رماد البركان إلى أزمة غذاء

دمر الثوران مناطق واسعة من جزيرة لومبوك، ودفن تجمعات سكانية تحت المواد البركانية، فيما ارتبطت الكارثة باختفاء مدينة باماتان، التي كانت مركزا سياسيا مهما في الجزيرة.

وأسقط الانفجار كميات هائلة من الصخور والرماد والمواد البركانية، قبل أن يؤدي انهيار البنية البركانية إلى تشكل كالديرا ضخمة أصبحت لاحقا موطنا لبحيرة سيغارا أناك، لكن الخطر الأكبر غادر الجزيرة مع الغازات التي وصلت إلى الغلاف الجوي.

وحملت التيارات الجوية الجسيمات البركانية إلى مسافات شاسعة، فساهمت في تغيير التوازن الإشعاعي للغلاف الجوي وخفض درجات الحرارة في أجزاء واسعة من العالم.

وسجلت مصادر تاريخية في أوروبا خلال عامي 1258 و1259 ظروفا جوية استثنائية، بينها أمطار وفيضانات وبرودة خلال فصل الصيف. وأربكت تلك الظروف دورة الزراعة والحصاد، ورفعت منسوب القلق بشأن توفر الغذاء.

أوروبا تدفع فاتورة بركان بعيد

واجهت إنجلترا واحدة من أكثر الأزمات الغذائية قسوة في تلك المرحلة، بعدما تضررت المحاصيل وارتفعت أسعار الغذاء وتزايدت أعداد المحتاجين إلى المساعدة.

وسجلت المصادر التاريخية اضطرابات مشابهة في أجزاء من أوروبا، بينما دفعت أزمة الحبوب بعض السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من تصديرها والحفاظ على الإمدادات المحلية.

وشهدت مناطق أخرى من القارة اضطرابات اجتماعية وسياسية ارتبطت بتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكلفة الغذاء.

لكن الدراسات الحديثة تقدم قراءة أكثر حذرا للعلاقة بين سامالاس والمجاعة. فقد سبقت بعض الأزمات الغذائية ثوران البركان، ما يعني أن الانفجار لم يخلق تلك الأزمات من الصفر، وإنما فاقم ضغوطا اقتصادية وزراعية ومناخية كانت قائمة بالفعل.

هل أشعل سامالاس العصر الجليدي الصغير؟

ربط باحثون لسنوات بين ثوران سامالاس وبداية مرحلة “العصر الجليدي الصغير”، مستندين إلى التبريد الذي أعقب الانفجار والاضطرابات المناخية التي ظهرت في العقود التالية.

لكن العلماء لا يختزلون تلك المرحلة المناخية الطويلة في ثوران واحد. فقد تداخلت عوامل متعددة في تشكيل مناخ القرون اللاحقة، بينما منح سامالاس دفعة قوية نحو التبريد وأظهر قدرة النشاط البركاني على التأثير في النظام المناخي العالمي.

وأثبتت الدراسات التي قارنت السجلات التاريخية بالبيانات المناخية المستخرجة من الأشجار والجليد والرواسب أن صيفي 1258 و1259 كانا استثنائيين في مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي.

عندما يصل البركان إلى مائدة الإنسان

أظهر سامالاس في القرن الثالث عشر معادلة ظل العالم يواجهها بأشكال مختلفة حتى اليوم: تبدأ الصدمة من الطبيعة، ثم تنتقل إلى المناخ، وبعدها تضرب الزراعة، قبل أن تصل في النهاية إلى الاقتصاد وحياة الناس.

ولم يحتج سكان أوروبا آنذاك إلى معرفة ما يحدث في الغلاف الجوي حتى يشعروا بالنتيجة. فقد رأوا السماء تتغير، والطقس يضطرب، والمحاصيل تتراجع، وأسعار الغذاء ترتفع، فيما اتسعت دائرة الفقر والجوع.

وسجل التاريخ بذلك واحدة من أوضح الحالات التي كشفت قدرة حدث طبيعي بعيد على إحداث تداعيات عابرة للحدود والقارات.

وبعد مرور أكثر من سبعة قرون، أعاد العلماء تركيب قصة سامالاس من آثار تركها البركان في الجليد والأشجار والرواسب والسجلات التاريخية.

وكشفت تلك الأدلة أن بركانا اندلع في جزيرة إندونيسية استطاع أن يترك بصمته على مناخ مناطق تبعد عنه آلاف الكيلومترات، وأن يتحول تأثيره من رماد يتصاعد في السماء إلى أزمة غذاء تهبط بثقلها على حياة البشر.

فهل كان سامالاس واحدة من أولى الكوارث التي أثبتت أن انفجارا في أقصى جنوب شرق آسيا يمكن أن يهز مناخ العالم ويغير حسابات البشر على الأرض؟

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.