إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

تحويل المذاهب إلى سجون اجتماعية: حين يصبح الحب رهينة للخطاب الطائفي

نُشر في

تتجاوز التداعيات الخطيرة للخطاب الطائفي مجرد تبادل الآراء، لتصل إلى حد تحويل الانتماءات المذهبية إلى حواجز نفسية واجتماعية تعزل الأفراد عن محيطهم الطبيعي. وتبرز هذه الظاهرة بوضوح حين يطلق مشاهير أو فنانون تصريحات تحذر من الزواج عبر المذاهب، مما يحول خيارات عاطفية شخصية إلى قضايا عامة تكرس التمييز وتختزل قيم البشر في هوياتهم الموروثة.

إن اعتبار طائفة بأكملها بيئة غير صالحة للارتباط أو الصداقة يعكس خوفاً مرضياً من الآخر، بدلاً من أن يكون تعبيراً عن هوية أو تدين. فالمجتمعات التي تتقاسم الجغرافيا والمصير الواحد لا يمكن أن تتقدم إذا ظلت أسوارها النفسية تتغذى على خطاب الإقصاء الذي يضع الانتماء المذهبي فوق الأخلاق والقيم الإنسانية.

وعلى الرغم من أن الزواج يتطلب توافقاً في نمط الحياة والقيم، إلا أن حل الإشكالات المحتملة لا يكمن في إطلاق فتاوى شعبية أو التحريض المتبادل، بل في الحوار الناضج. فالفشل الزوجي قد يقع داخل المذهب الواحد بسبب غياب المسؤولية أو سوء المعاملة، بينما ينجح الارتباط بين مختلفين مذهبياً بفضل الوعي والاحترام المتبادل، مما يثبت أن الطائفة ليست معياراً لصلاح الفرد.

كما أن مسؤولية الفنانين والمشاهير تتضاعف بحكم تأثيرهم الجماهيري، إذ لا يمكن فصل تصريحاتهم عن سياقها العام. فاستغلال المنصات لنشر الاشمئزاز من فئة بشرية يتناقض مع جوهر الفن الذي يفترض أن يكون جسراً للتقارب، لا وسيلة للترويج للكراهية التي تجد في منصات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للانتشار السريع بهدف حصد المشاهدات.

إن الطائفية تنمو في التفاصيل الصغيرة، بدءاً من التحذيرات العائلية وصولاً إلى القطيعة الاجتماعية، وهو ما يمهد الأرضية لأزمات أكبر. لذا، تقع على عاتق وسائل الإعلام والمنصات مسؤولية تفكيك هذا الخطاب بدلاً من إعادة نشره كنوع من الترفيه الرقمي الذي يمنح التطرف شرعية غير مستحقة.

وفي نهاية المطاف، فإن الدعوة الحقيقية لا تتعلق بتجنب مذهب معين، بل بتجنب الارتباط بمن يحمل الكراهية في قلبه ويستخدم الدين لتبرير احتقار الآخرين. إن تحرير الإنسان من سجن الطائفية يبدأ من رفض توريث هذه العداوات، وإدراك أن الاختلاف لا يمنح أي طرف حق الإقصاء، وأن الإيمان الحقيقي هو الذي ينتج رحمة وعدلاً تجاه الجميع.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.