أثار تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي جدلاً واسعاً حول وضع مدينتي سبتة ومليلية، حيث تضمنت وثيقة الموازنة الاتحادية الأمريكية إشارة لافتة اعتبرت أن المدينتين تخضعان للسيادة الإسبانية لكنهما تقعان خارج المجال الجغرافي الأوروبي، مع الإشارة إلى وجود مطالبة مغربية بهما. هذه الخطوة، التي جاءت بتوقيع لجنة يترأسها الجمهوري ماريو دياز بالارت، المقرب من وزير الخارجية ماركو روبيو، دعت إلى تعزيز الحوار الدبلوماسي بين مدريد والرباط بشأن مستقبل المدينتين، مما يمنح الموقف الأمريكي أبعاداً مؤسساتية تتجاوز التصريحات العابرة.
يربط مراقبون هذا التحول الأمريكي بمواقف الحكومة الإسبانية الأخيرة، وتحديداً رفض رئيس الوزراء بيدرو سانشيز السماح للقوات الأمريكية باستخدام قاعدتي روتا ومورون في سياق العمليات الموجهة ضد إيران. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإسبانية توتراً ملحوظاً، ترافق مع إعلان البنتاغون عن خطط لإعادة تموضع قواته في أوروبا، بما في ذلك احتمال سحب وحدات عسكرية من إسبانيا، تزامناً مع زيارة وزير الحرب الأمريكي للمغرب ومشاركته في مناورات “الأسد الإفريقي”.
تاريخياً، كان ماريو دياز بالارت قد مهد لهذا التوجه في تصريحات سابقة خلال أبريل 2026، معتبراً المدينتين أراضٍ غير إسبانية جغرافياً، وهو الطرح الذي تقاطع مع دعوات سابقة من مايكل روبين، المستشار السابق في البنتاغون، الذي حث الإدارة الأمريكية على الاعتراف بالحقوق المغربية. وفي المقابل، تلتزم الرباط الصمت الرسمي تجاه هذه التطورات، بينما تسعى مدريد لاحتواء الموقف عبر التأكيد على ثبات سيادتها ورفض أي تشكيك في وضع المدينتين، واصفة التقارير الأمريكية بغير الملزمة.
تتجاوز هذه المعطيات النزاع الثنائي لتشمل استراتيجية أمريكية أوسع في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث يُنظر إلى المغرب كحليف محوري في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني. وتبرز في هذا السياق الأهمية المتزايدة لقاعدة “بير أنزران” الجوية قرب الداخلة، التي شهدت تحولاً نوعياً من مهبط محدود إلى قاعدة عمليات متكاملة قادرة على دعم القدرات الدفاعية والمراقبة الجوية، مما يعكس رغبة واشنطن في تعزيز حضورها العسكري والأمني بالتنسيق مع الرباط.
في ظل هذه الديناميات، تواجه الحكومة الإسبانية ضغوطاً داخلية متزايدة من المعارضة، التي تتهم سانشيز بالتراخي في حماية السيادة الوطنية، بينما يدعو خبراء عسكريون إلى تفعيل خطط دفاعية شاملة. ومع أن الوثيقة الأمريكية تظل توصية غير ملزمة، إلا أنها تثير مخاوف في أوساط صناع القرار بمدريد من تآكل الموقف الدولي لإسبانيا، مما يضعها أمام خيارات صعبة للموازنة بين التزاماتها كحليف في الناتو وبين مصالحها الاستراتيجية في ملف المدينتين.








التعليقات
0 تعليق