إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

رحيل حميد التريكي.. المؤرخ الذي جعل من ذاكرة المدن المغربية قضية حياة

نُشر في

أسدل الستار مساء الخميس 30 يوليوز 2026 على مسيرة حافلة للمؤرخ والباحث المغربي حميد التريكي، الذي فارق الحياة بالدار البيضاء عن عمر ناهز 82 عاماً. لم يكن الراحل مجرد أكاديمي يغوص في أمهات الكتب، بل كان مدافعاً شرساً عن التراث المادي واللامادي، ومسكوناً بهاجس صون الذاكرة الجماعية من الاندثار في ظل زحف التحولات العمرانية.

انطلقت رحلة التريكي من مدينة آسفي، مسقط رأسه الذي شكل مختبره الأول لفهم التاريخ عبر تفاصيل الأسوار، والزوايا، وورشات الخزف المطلة على الأطلسي. هذا الارتباط الوجداني بالمدينة العتيقة تحول لاحقاً إلى مشروع بحثي رصين، خاصة بعد انتقاله للعمل في سلك التعليم ثم التفتيش التربوي، حيث بدأ يراكم خبرة ميدانية تتجاوز التنظير الأكاديمي لتصل إلى عمق الحياة اليومية للناس.

تميزت أعماله التاريخية بكونها دراسات في “حياة الناس”، إذ اشتهر ببحثه المرجعي حول الأوبئة والمجاعات في المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، الذي أنجزه بشراكة مع برنار روزنبرجي. ولم يكتف التريكي بالجانب الاجتماعي، بل خاض في غمار التاريخ الديني والتصوف، معتبراً كتب المناقب مصدراً حيوياً لفهم بنية المجتمع المغربي وتصوراته.

وفي مراكش، وجد التريكي فضاءه الأرحب، حيث تحولت المدينة الحمراء تحت عدسته إلى مرجع في التاريخ العمراني والزخرفي، متوجاً أبحاثه حول المدارس العتيقة بجائزة الأطلس الكبير. كما لعب دوراً محورياً في حماية ساحة جامع الفنا، مساهماً بفعالية في مسار تصنيفها كتراث عالمي غير مادي لدى منظمة اليونسكو، انطلاقاً من إيمانه بضرورة حماية “الروح الحية” للساحة لا تحويلها إلى متحف صامت.

امتد إشعاع التريكي البحثي ليشمل فاس والأندلس، حيث شارك في تأليف مراجع كبرى حول تاريخ العاصمة العلمية وصلاتها بالعمق الأندلسي. وعمل لسنوات مستشاراً لمؤسسة “الإرث الأندلسي” بغرناطة، باحثاً في الروابط التاريخية التي جعلت من ضفتي المضيق فضاءً واحداً للتبادل الثقافي، وهو ما تجلى في مشروعه الطويل حول قصر الحمراء.

ترك الراحل خلفه إرثاً غنياً يتجاوز اثني عشر مؤلفاً، فضلاً عن رصيد وثائقي ثمين وهبه لمؤسسة “أرشيف المغرب” عام 2017. هذه المبادرة جسدت قناعته الراسخة بأن أرشيف الباحث ملكية عامة للأجيال الصاعدة، ليرحل التريكي تاركاً وراءه معالم محمية وذاكرة موثقة، ومساراً ملهماً في الدفاع عن الهوية المغربية وتجذرها التاريخي.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.