إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تحليل

من مخلفات الحرب إلى قوة إقليمية ضاربة.. قصة صعود الصناعات الدفاعية التركية

نُشر في

تتبوأ تركيا اليوم مكانة عسكرية بارزة كصاحبة ثاني أكبر جيش ضمن حلف شمال الأطلسي، متحكمة في ممرات استراتيجية بالغة الأهمية. هذا الثقل العسكري لم يأتِ وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار تراكمي امتد لأكثر من قرن، تحولت خلاله الدولة من الاعتماد الكلي على الترسانات الأجنبية إلى تصدير تقنياتها الدفاعية نحو الأسواق العالمية.

عند إعلان الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923، ورث الجيش ترسانة متهالكة من العهد العثماني، مما جعل مصطفى كمال أتاتورك يدرك مبكراً أن السيادة العسكرية لا تستقيم مع الارتهان للخارج. بدأت المحاولات الأولى بإنشاء ورش صيانة بسيطة، تلتها خطوة طموحة عام 1926 بتأسيس مصنع للطائرات في قيصري بالشراكة مع شركة “يونكرز” الألمانية، وهي خطوة وضعت اللبنات الأولى للخبرة التقنية المحلية.

شكلت الحرب العالمية الثانية منعطفاً دفع أنقرة نحو المظلة الأمريكية، خاصة بعد إطلاق برنامج “ترومان” عام 1947 لدعم تركيا واليونان. ورغم تدفق المعدات الأمريكية، إلا أن هذا الاعتماد كبّل القدرات التصنيعية الوطنية. ومع انضمام تركيا للناتو عام 1952، زادت وتيرة التبعية، حتى جاءت أزمة قبرص عام 1964 لتكشف هشاشة هذا الوضع، حين حذر الرئيس الأمريكي ليندون جونسون أنقرة من استخدام سلاحها في النزاع، لتتأكد الحقيقة بأن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك قرار استخدامه.

وقعت القطيعة الحقيقية عام 1974، حين فرض الكونغرس الأمريكي حظراً على السلاح رداً على التدخل التركي في قبرص، مما وضع الجيش في مأزق صيانة حاد. كان هذا الضغط هو المحرك لتأسيس شركة “أسيلسان” عام 1975، وبداية التفكير في استعادة السيطرة على المنشآت الحيوية، ليتعزز هذا التوجه في عهد تورغوت أوزال عام 1983 عبر تأسيس مستشارية الصناعات الدفاعية، التي أشرفت لاحقاً على تجميع مقاتلات “F-16”.

شهد عام 2002 تحولاً استراتيجياً مع تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، حيث انتقلت السياسة الدفاعية من تجميع السلاح إلى تصميمه وتطويره. ألغت اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية عام 2004 صفقات شراء جاهزة، مفضلة استثمار الميزانيات في مشاريع وطنية مثل دبابة “ألتاي” وسفن “ميلغم” الحربية، مما رفع نسبة الاكتفاء الذاتي الدفاعي بشكل لافت.

برزت المسيّرات كعنوان لهذا النجاح، حيث أثبتت طائرة “بايرقدار تي بي2” كفاءتها في ميادين قتال متعددة بدءاً من سوريا وليبيا وصولاً إلى أوكرانيا. هذا التطور دفع تركيا لتجاوز أزمة عقوبات عام 2020، التي فُرضت عقب اقتناء منظومة “S-400” الروسية، عبر تكثيف الجهود لتوطين المكونات المعقدة مثل المحركات وأنظمة التوجيه.

تُظهر الأرقام حجم الطفرة، حيث تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية عشرة مليارات دولار بحلول نهاية عام 2025، مقارنة بـ248 مليون دولار فقط في بداية الألفية. ومع تحليق المقاتلة الوطنية “قآن” في فبراير 2024، تقف تركيا أمام تحديها الأخير المتمثل في تحقيق الاستقلال التكنولوجي الكامل عن أي مورد خارجي، وهو الرهان الذي سيحدد مستقبل نفوذها الجيوسياسي في المرحلة القادمة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.