تعززت المكتبة الوطنية بمصنف جديد يغوص في أعماق الصناعة التقليدية المغربية، معتبراً إياها دعامة جوهرية للهوية الجماعية للمغاربة. ويسعى هذا الإصدار إلى إحياء النقاش حول أهمية المهن اليدوية التي صمدت أمام تقلبات الزمن، مؤكداً أن هذه الحرف تتجاوز بعدها الاقتصادي لتكون تجسيداً حياً لتاريخ المملكة وتعدد روافدها الحضارية.
يقدم العمل قراءة متعددة الأبعاد تستعرض نشأة الحرف وتطورها التاريخي والثقافي، مسلطاً الضوء على براعة الصانع المغربي في توريث مهاراته عبر الأجيال. ويتناول الكتاب باقة واسعة من المهن، بدءاً من الصناعات المعدنية التي أبدع فيها الحرفيون في تشكيل الحلي والخناجر والنحاس، وصولاً إلى الصناعات الجلدية العريقة المرتبطة بمدن تاريخية، وفنون الدباغة وصناعة الشربيل والسروج التي ما زالت تحتفظ بجودتها.
ويخصص المؤلف حيزاً مهماً للنسيج المغربي، بما يضمه من زرابي وحنبل وطرز، موضحاً كيف تعكس هذه المنتجات هوية ثقافية مرتبطة بالبيئة المحلية. كما يتطرق إلى الصناعات الخشبية والطينية، مبرزاً تكاملها مع فنون العمارة التقليدية من زليج ونقش على الجبس، والتي أثبتت قدرة فائقة على التأقلم مع الخصوصيات المناخية والبيئية للمناطق المغربية.
ويشير الكتاب إلى أن هذا التراث هو ثمرة تلاقح حضاري بين المكونات الأمازيغية والعربية والإفريقية والأندلسية، مع تأثيرات فينيقية ورومانية وإسلامية. كما يثمن الدور الذي لعبه التعايش بين الحرفيين المسلمين واليهود في تطوير تقنيات الإنتاج، وهو ما جعل من حواضر كفاس ومراكش والرباط وتطوان مراكز إشعاع حرفي بفضل تنظيمات مهنية دقيقة.
من الناحية الاقتصادية، يشدد المؤلف على الدور الحيوي لهذا القطاع في تنشيط الحركة التجارية والسياحية وخلق فرص الشغل، مشيراً إلى الإقبال الدولي المتزايد على المنتجات التقليدية المغربية. ومع ذلك، لا يغفل الكتاب التحديات الراهنة، مثل ضعف إقبال الأجيال الجديدة على الحرف والمنافسة الشرسة للمنتجات الصناعية، مما يستوجب سياسات دعم حديثة وتطويراً في آليات التسويق الرقمي.
يخلص العمل إلى أن حماية الصناعة التقليدية باتت ضرورة تنموية ملحة، تتجاوز الحفاظ على الماضي لتشمل بناء مستقبل يعتمد على التراث كرافعة للتنمية المستدامة. ويختتم بالتأكيد على أن كل قطعة يبدعها الصانع المغربي هي حكاية حضارة، مما يجعل صون هذا الإرث مسؤولية جماعية لضمان استمراريته كرمز للإبداع الوطني.








التعليقات
0 تعليق