يحتل الفنان التشكيلي المغربي عبد الغني ويدة مكانة بارزة في المشهد الفني المعاصر، بفضل رؤيته التي أعادت صياغة الحرف العربي ليتحول من مجرد أداة تواصل كتابي إلى عنصر جمالي مستقل يمتلك لغته البصرية الخاصة. وعلى امتداد عقود من الممارسة الإبداعية، استطاع ابن مدينة مراكش أن يضفي على الحرف أبعاداً حركية وتعبيرية تتجاوز الوظيفة التقليدية للكلمات.
ترعرع ويدة في كنف عائلة مراكشية كانت ترتبط بعلاقة وثيقة مع فن الخط وصناعة الحبر، وهو ما وضع اللبنات الأولى لمساره الفني في أواخر خمسينات القرن الماضي. وقد صقل مهاراته الأساسية على يد خاله، قبل أن يتوسع طموحه ليشمل آفاقاً رحبة في مجالات التشكيل، والمسرح، وفنون التصوير الضوئي، مستفيداً من الورشات الثقافية التي صبغت تكوينه في بداياته الأولى.
ومع حلول سبعينات القرن الماضي، تبلورت لدى الفنان رؤية فنية جديدة تزامنت مع التحولات التي شهدتها الساحة التشكيلية العربية، حيث بدأ البحث عن هوية بصرية تستلهم الموروث الثقافي. ومن خلال اطلاعه على المجلات والمنشورات الفنية آنذاك، أدرك ويدة أن الحرف يمثل مادة خصبة للتجريب، مما دفعه للتحول نحو الحروفية التي تمنح الأولوية للشكل والتكوين على حساب دلالة النص المباشرة.
يعتمد المنهج الفني لويدة على دمج الحرف ضمن بناء بصري متكامل، حيث تتوزع المساحات والألوان والحركات لتشكل عملاً فنياً قائماً بذاته. وفي هذا الإطار، لا يعود المتلقي مطالباً بفك رموز الكلمات لقراءة اللوحة، بل يصبح مدعواً للتفاعل مع التكوين البصري وما يثيره من أحاسيس جمالية، وهو ما يجسد فلسفته في تحويل الحرف من وسيلة للقراءة إلى وسيلة للرؤية.
لم يكتفِ الفنان بحدود اللوحة، بل امتدت بصماته لتشمل تصميم أغلفة الكتب، والملصقات، وتصاميم المسرح والسينما، بالإضافة إلى انخراطه النشط في العمل الجمعوي بمراكش. ولم تتوقف جهوده عند هذا الحد، إذ ساهم في تنظيم تظاهرات فنية وتأسيس مهرجان دولي للخط والزخرفة في فرنسا، بهدف مد جسور التواصل بين الأجيال الشابة ومدارس الفن المعاصر.
وعلى الرغم من نزوعه نحو التجريد البصري، إلا أن تجربته لا تقطع الصلة مع النص، حيث تعاون مع نخبة من الكتاب والباحثين المغاربة. ويواصل ويدة اليوم مسيرته الحافلة، مؤكداً أن الحرف المغربي يمتلك القدرة على تجاوز الحدود التقليدية، ليظل شاهداً على رحلة فنية جمعت بين أصالة الذاكرة ورهانات التجديد البصري.








التعليقات
0 تعليق