يخوض الروائي المغربي طارق بكاري تجربة سردية جديدة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، وذلك في عمله الروائي الأخير “أرشيف الظل الأسود” الصادر عن دار الآداب عام 2026. يبتعد الكاتب عن السرد الخطي المعتاد، ليضع القارئ أمام متاهة من الشكوك تبدأ بمخطوط غامض، وتتحول تدريجياً إلى رحلة بحث مضنية عن جذور مجهولة وحقائق تاريخية يسعى البعض لطمسها.
تتمحور أحداث الرواية حول شخصية “جوليان موريل” المقيم في باريس، والذي يجد نفسه أمام مهمة معقدة بعد أن ورث عن أمه بالتبني مجموعة من المقتنيات، تشمل خاتماً إفريقياً وصوراً ورسائل ومخطوطاً يرجح ارتباطه بوالده البيولوجي. هذا البحث الشخصي عن الهوية سرعان ما يتسع ليشمل قضايا شائكة تتعلق بالاستعمار، والعبودية، والصراع العرقي، والذاكرة الجماعية التي تعرضت للتشويه عبر الزمن.
تعتمد الحبكة على بناء سردي متعدد المستويات، يتقاطع فيه الحاضر بالماضي، لا سيما مع العودة إلى إفريقيا في مطلع القرن العشرين. وتطرح الرواية تساؤلات جوهرية حول من يمتلك سلطة كتابة التاريخ، وكيف يتحول الأرشيف في أيدي القوى الخفية من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لترسيخ النسيان، حيث تشير دار الآداب إلى وجود منظمة سرية تعمل على إخفاء “أرشيف السواد”.
يستخدم بكاري ثنائية الأبيض والأسود كرمزية تتجاوز الجماليات لتلامس عمق الصراع حول السيطرة على رواية الماضي. ومع تقدم جوليان في تحقيقه الخاص، تضطرب الحدود بين الحقيقة والوهم، ويصبح القارئ بدوره شريكاً في عملية التحقيق، حيث يواجه وثائق قد تكون مضللة وشخصيات غامضة، مما يضفي على الرواية طابعاً بوليسياً نفسياً يختبر قدرة الفرد على إدراك الواقع.
تأتي هذه الرواية لتنضاف إلى مسيرة طارق بكاري الأدبية الحافلة، والتي تضمنت أعمالاً بارزة مثل “نوميديا” الحائزة على جائزة المغرب للكتاب، و”مرايا الجنرال”، و”القاتل الأشقر”، و”روائح ديهيا”. وفي عمله الجديد، يواصل الكاتب تفكيك علاقة الإنسان بماضيه، مؤكداً أن التاريخ ليس مجرد حقائق جامدة، بل هو مساحة متنازع عليها لا تمنح إجابات نهائية، بل تترك القارئ في مواجهة مستمرة مع الأسئلة.








التعليقات
0 تعليق