تتداخل الملفات الأمنية والسياسية في ليبيا بشكل متسارع، حيث تجد القاهرة نفسها أمام تحديات تفرض عليها إعادة قراءة خارطة نفوذها بين طرابلس وبنغازي. يأتي هذا التحرك في وقت شهدت فيه مدينة الزاوية غربي ليبيا اضطرابات أمنية تمثلت في هجمات بالطائرات المسيرة طالت منشآت حيوية للطاقة، مما أدى إلى خروج محطة الزاوية عن الخدمة جزئياً، وسط تحذيرات أطلقتها المؤسسة الوطنية للنفط من مغبة استمرار هذه الاستهدافات. وفي المقابل، شهد الشرق الليبي حادثة أمنية لافتة تمثلت في اغتيال اللواء فوزي المنصوري، أحد القيادات الأمنية البارزة في قوات خليفة حفتر، في بنغازي، دون إعلان أي جهة مسؤوليتها عن هذه التطورات التي تزامنت مع حراك دبلوماسي إقليمي مكثف.
لطالما شكلت قوات حفتر حجر الزاوية في الرؤية الأمنية المصرية تجاه ليبيا على مدار العقد الماضي، حيث راهنت القاهرة على هذا التحالف لضبط الحدود المشتركة وتأمين عمقها الاستراتيجي. إلا أن هذه المعادلة بدأت تشهد تحولات ملحوظة، توجت بلقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في مدينة العلمين. هذا التقارب فتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني واسع، بما في ذلك مشاريع الطاقة والربط الكهربائي، مما يشير إلى سعي مصري لتعزيز حضورها في غرب ليبيا دون التخلي عن شراكاتها التاريخية في الشرق.
تتجاوز دوافع القاهرة في توسيع نطاق تحركاتها حدود التنمية الاقتصادية، لتصل إلى تأثيرات الحرب الدائرة في السودان. وتشير تقارير دولية إلى وجود مخاوف مصرية من استخدام مناطق في شرق وجنوب ليبيا كطرق لإمداد قوات الدعم السريع، وهو ما ترفضه القاهرة وتعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وفي هذا السياق، يبدو أن مصر تضغط لضمان عدم تحول نفوذ حلفائها في ليبيا إلى ورقة داعمة لأطراف النزاع السوداني، مما يفسر التنسيق المصري-التركي المتنامي ومحاولات القاهرة لعب دور الوسيط المقبول من جميع الأطراف، بما يتماشى مع التوجهات الإقليمية والدولية، بما فيها رؤية مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس.
ورغم هذا الانفتاح المصري على طرابلس، لا يزال التواصل مع معسكر الشرق قائماً ومستمراً، حيث تحرص القاهرة على استمرار قنوات الحوار مع حفتر وأبنائه عبر زيارات متبادلة مع مسؤولين مصريين. وتنظر قيادة الشرق إلى التحركات المصرية كخطوة براغماتية لا تستهدف تقويض نفوذهم، بل تهدف لتمكين الشركات المصرية من المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار التي تتسابق عليها قوى دولية في شرق ليبيا، وهو ما يفسر عدم وجود معارضة صريحة من حفتر لهذا الانفتاح.
في ظل هذه المعطيات، تجد مصر نفسها أمام اختبار استراتيجي معقد، يتمثل في كيفية إدارة توازن دقيق بين الانفتاح على غرب ليبيا لضمان مصالحها الاقتصادية وتنسيقها مع تركيا، والحفاظ على شراكتها الأمنية مع الشرق لتأمين حدودها. ومع تزايد الحوادث الأمنية التي تستهدف البنية التحتية في الزاوية أو الشخصيات الأمنية في بنغازي، تبرز تساؤلات حول قدرة القاهرة على تحويل هذه التناقضات إلى فرص للاستقرار، أم أن التطورات الميدانية ستفرض واقعاً جديداً يضع مصر كطرف فاعل وسط صراعات ليبيا المعقدة.








التعليقات
0 تعليق