لم تؤدِ موجة الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة أواخر شهر يوليوز المنصرم إلى صدام دبلوماسي بين الرباط ومدريد، حيث نجح الطرفان في احتواء التوترات ضمن نطاق التعاون الأمني والإنساني، مما حال دون تحول هذه الأحداث إلى أزمة سياسية مفتوحة قد تستغلها أطراف إقليمية أخرى.
واختارت الحكومة الإسبانية، منذ اللحظات الأولى للأزمة، تبني مقاربة تركز على ضبط الحدود وتدبير تدفقات الهجرة، مع الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع السلطات المغربية. وقد توج هذا التوجه باتفاق مشترك في 30 يوليوز يقضي بتعزيز التنسيق الميداني لتسريع عمليات إعادة المهاجرين الذين دخلوا المدينة، وهو ما أكده رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز خلال زيارته الميدانية لسبتة، مشدداً على أهمية العمل المشترك مع المغرب.
وعلى الرغم من الضغوط الداخلية التي واجهتها مدريد، فقد حرصت الحكومة الإسبانية على عدم تحميل الرباط مسؤولية سياسية مباشرة، كما نأت بنفسها عن ربط ملف الهجرة بقضية الصحراء المغربية. ويشكل هذا السلوك تحولاً نوعياً مقارنة بأزمات سابقة، حيث فضلت إسبانيا فصل التحديات الأمنية العابرة عن الملفات الاستراتيجية الكبرى التي تجمعها بالمغرب.
وفي الوقت الذي كان يراهن فيه البعض على إمكانية استغلال الجزائر وجبهة البوليساريو لهذه التطورات لإعادة إقحام ملف الصحراء في أجندة العلاقات المغربية الإسبانية، جاءت المواقف الرسمية في مدريد لتؤكد عكس ذلك. فقد خلت الخطابات الإسبانية من أي إشارة توحي بالرغبة في توظيف الأزمة للضغط على الرباط، مفضلةً بدلاً من ذلك الإشادة بالتعاون الأمني المغربي في محاربة شبكات الاتجار بالبشر.
ويعد هذا المشهد مغايراً تماماً لما حدث في سنة 2021، حين أدت أزمة استقبال زعيم جبهة البوليساريو إلى قطيعة دبلوماسية حادة. فاليوم، تبدو العلاقات بين البلدين أكثر نضجاً وقدرة على استيعاب الصدمات، حيث تحولت أزمة سبتة من شرارة محتملة للنزاع إلى اختبار عملي لمدى التزام الطرفين بآليات التنسيق المشترك.
وخلاصة القول، فإن أزمة سبتة الأخيرة أظهرت أن جسور التواصل بين الرباط ومدريد تظل صلبة رغم التحديات الميدانية، بينما وجدت الجزائر والبوليساريو نفسيهما خارج سياق التأثير، إذ لم تفرز الأحداث أي مكاسب سياسية لهما، وبقيت قضية الصحراء بعيدة عن قلب المواجهة المباشرة بين المملكتين.








التعليقات
0 تعليق