غيب الموت الأكاديمي والباحث عبد الرحمان لخصاصي، تاركاً خلفه رصيداً علمياً غنياً كرس فيه حياته لاستكشاف خبايا المجتمع المغربي وذاكرته الجماعية، وهو ما شكل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي والجامعي في المملكة.
تميز الراحل بمقاربة فريدة جعلت من التفاصيل اليومية للمغاربة مادة خصبة للبحث العلمي، حيث لم ينظر إلى الثقافة كقالب جامد، بل عمل على تفكيك تحولاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، متنقلاً في دراساته بين الفكر الإسلامي، والتصوف، والأنثروبولوجيا، وصولاً إلى الأدب والشعر الأمازيغي.
ويعد كتابه “من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ”، الذي أنجزه بشراكة مع المؤرخ عبد الأحد السبتي، نموذجاً بارزاً لقدرته على تحويل ممارسة يومية بسيطة إلى مدخل لفهم بنية السلطة والعلاقات الاجتماعية والذوق العام في المغرب.
كما انصب اهتمام لخصاصي على دراسة المجتمع القبلي وتفاعلاته مع السلطة المركزية، مع التركيز على الثقافة الأمازيغية ببعدها الشفوي والأدبي، وبحثه في حضور المرأة ضمن النصوص الفقهية المحلية، وسعيه الدائم لتجاوز الصور النمطية التي حصرت المجتمع التقليدي في قوالب جاهزة.
تلقى الراحل تكويناً أكاديمياً دولياً، بدءاً من الجامعة الأمريكية ببيروت وصولاً إلى جامعة السوربون بفرنسا، قبل أن يعود إلى المغرب ليواصل مساره البحثي والتدريسي، متأثراً في بداياته بالفكر الخلدوني الذي صقل رؤيته التحليلية.
خلف رحيل لخصاصي حزناً عميقاً لدى زملائه وطلبته، الذين استذكروا فضوله المعرفي وشخصيته الإنسانية، مؤكدين أن إرثه لا يقتصر على مؤلفاته، بل يمتد إلى منهجيته في الإنصات للذاكرة الشعبية وربط التراث بالتحولات الراهنة، مما يجعله مرجعاً أساسياً لكل من يسعى لفهم الهوية المغربية بعمق.








التعليقات
0 تعليق